الخميس 6 أكتوبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
على أعتاب ذكرى نصر أكتوبر.. والدراما!

على أعتاب ذكرى نصر أكتوبر.. والدراما!

فى أمسيات الزمن الجميل فى حقبة الستينيات والسبعينيات وأطراف الثمانينيات من القرن الماضى، كانت العائلات داخل البيوت ــ من كل الطبقات الاجتماعية ــ فى كل ربوع مصرنا المحروسة: ريفًا وحَضَرًا، تتحلق حول الشاشة الفضية، لتقضى سويعات من المتعة والجمال المصحوبين بالإعجاب المعجون بالدهشة، وبخاصة مع برامج «نادى السينما» و«السينما والحرب»، ونحن نعلم تمام العلم بأن السينما تركز ــ فى الأساس ــ على انعكاسات الحرب وتأثيراتها المدمرة: النفسية والاجتماعية والسياسية، وكان المجتمع المصرى، وقتذاك ـ متعطشًا إلى هذه الوجبات النفسية والروحية، تلك الوجبات الترويحية التى تعمل على امتصاص نزيف معايشته اليومية فى أتون المعاناة والأحزان القلبية العميقة، من تبعات  انكسارات النكسة الغادرة فى عام الشؤم 1967!!



ولما كانت الحروب هى أكثر وأشد أشكال الصراع الإنسانى درامية ودموية، ولكنها الطبيعة البشرية الغالبة فى جينات الإنسان منذ بدء الخليقة، وهل كان «قابيل» يسعى إلى مُلك الأرض حين قتل أخاه «هابيل»؟ ولكن بمرور الزمان واتساع رقعة الأملاك الخاصة، انتقلت الصراعات من بين الأشخاص إلى الصدام بين الأمم والشعوب، تناصرها وتعضدها الجيوش بالسلاح والعتاد.. وتجرها إلى الفناء والدماء تطلعات الإرادة السياسية وطموحات رجال السياسة!، ونستطيع أن نلخص مفهوم «الحرب» فى جملة بأنها: الصراع الأبدى بين الخير والشر!

وخلال السنوات الست التى أعقبت انكسار النكسة، كان الشعب المصرى بكل طوائفه وطبقاته داخل المجتمع، يؤمن أشد الإيمان بعدالة قضيته التى لا بد وأن تنتصر فى النهاية، فقضيته تنتسب إلى «الحق والعدل»، وما الحق والعدل إلا الطرف الأبهى فى المعادلة الأبدية:  «الخير» !، ولينعم الشعب المصرى بملحمة انتصار جيش مصرالعظيم فى «أكتوبر 1973، وليكتب التاريخ فى سطوره عن «معجزة العبور» وعن نيران معارك الدبابات ــ على طول شاطيء القناة ــ التى «دكَّت» حصون خط بارليف المنيع، تلك المعارك التى يتم تدريس تفاصيل أحداثها فى «معاهد الحرب والاستراتيجية  فى مختلف دول العالم.

والآن.. ونحن على أعتاب الذكرى التاسعة والأربعين لانتصار «أكتوبر» أى ما يقارب من نصف قرن من الزمان، ما الذى قام بإعداده صُنَّاع الدراما فى السينما المصرية احتفاءً بهذا الانتصار العظيم، ولتكون الدراما وثيقة نابضة بالحياة والحركة ــ للشعب المصرى والعربى  كما فعلت السينما الأمريكية فى «أفلام الحرب العالمية الثانية» وجنوحها إلى إضفاء روح الشجاعة لجنودها ــ برغم عدم عدالة قضيتهم وبخاصة فى الحرب الغادرة فى فيتنام ــ والقيام بتضخيم المعارك الوهمية ضد الشعب الأعزل صاحب الحق فى أرضه وحريته. 

ما بالنا نحن يا «صُنَّاع الدراما» فى مصرنا المحروسة؟ 

أليس لنا ــ ونحن أصحاب قضية عادلة ــ الحق فى التعريف ببطولات جنودنا البواسل على طول خطوط النار، والتعريف بالتضحيات التى قام بها القادة خلال حرب الاستنزاف، تلك الحرب التى صنعت إرهاصات انتصارات أكتوبر المجيدة؟  

بلى.. فمن حق الأجيال الصاعدة أن تقف على مدى ما قام به الشعب المصرى من تضحيات فى الأموال والأنفس، والإضاءة على حياة ولحظات استشهاد كل بطل من الأبطال فى شتى المواقع داخل الوطن وفوق حدوده شمالًا وجنوبًا.

وصحيح أن البعض من العاملين المصريين فى عالم الدراما السينمائية والتليفزيونية، قاموا بترسيخ وتناول انتصار أكتوبر بشكل يليق بها ـ ولكنه لم يفِ باحتياجات وتعطش الأجيال الصاعدة للمزيد من الإضاءة ـ وكان السبق فى تسعينيات القرن الماضى يتمثل فى فيلم «الرصاصة.. لا تزال فى جيبى»، وجاءت المسلسلات التليفزيونية لتوثيق الانتصار فى مسلسل «السقوط فى بئر سبع» بطولة أبو بكر عزت وسعيد صالح وإسعاد يونس، وطارق الدسوقى، وأحمد ماهر، ومن إخراج نور الدمرداش، مرورًا بمسلسل «رأفت الهجان» والبطل الذى كان له الدور الفعال فى التمهيد لحرب أكتوبر، علاوة على مسلسل «وادى فيران» الذى تدور أحداثه فى منطقة جنوب سيناء، بداية من أحداث النكسة إلى الانتصار بمعاونة أهالى سيناء، انتهاء إلى مسلسل « دموع فى عيون وقحة» الذى قام ببطولته الفنان عادل إمام.

وبرغم هذه المسلسلات الرائعة بجهود المخلصين للوطن وانتصاراته وطموحاته..  ولكننى ما زلت على قناعاتى بأهمية الدور الذى تلعبه «الدراما السينمائية»، فالذاكرة السينمائية  قادرة على الخلود والتصدى لأفاعيل التقلبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لأنها تذهب إلى شاشات دور السينما فى القرى والنجوع والمهرجانات العالمية، لتكون خير سفير للتعريف بأمجادنا وبطولات الشهداء الذين كتبوا بدمائهم الزكيَّة ملحمة النصر على جدران التاريخ، كما قام الفنان المصرى  فى قديم الزمان ـ  بتخليد انتصارات الشاب «أحمس» على فلول الغزاة من «الهكسوس» على جدران وأعمدة المعابد.

فهل نرى ــ ونحن فى هذه الذكرى الحبيبة على قلوب المصريين ــ الجديد والمزيد من الإضاءة على بطولات القادة والجنود، وتفاصيل شحاعتهم  وخوضهم معارك انتزاع الانتصار وإعادة الكرامة لمصر والمصريين.  إننا فى الانتظار.. وإن غدًا لناظره قريب!

وكل عام ومصرنا المحروسة بخيرٍ.. وأمنٍ وانتصارٍ.. وسلام!

رئيس قسم الإنتاج الإبداعى الأسبق بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب مصر