الأسطورة
شقيق الشهيد أحمد المنسى: أخى لم يمت.. بل استنسخ روح أكتوبر فى ملاحم سيناء المعاصرة
«لم يكن أحمد بالنسبة لى مجرد شقيق أصغر، كان حالة من النقاء تمشى على الأرض، حين أتحدث عنه اليوم، لا أتحدث عن «الأسطورة» التى يعرفها الناس من خلال السوشيال ميديا والمسلسلات، بل أتحدث عن ذلك الفتى الذى كان يرى فى العاشر من رمضان وسامًا يعلقه على صدر أحلامه منذ الصغر».. هكذا بدأ المهندس محمد صابر المنسى، شقيق الشهيد أحمد المنسى، حديثه وصوته يحن لأيام الطفولة التى كانت تجمعه بأخوته وأمه التى كانت بمثابة الوتد والجبل، وفى نفس الوقت الطيبة والحنان المفرط، فبعد وفاة الأب هى من تولت رعايتنا وكانت حريصة بأن يكون الحب هو الرابط، إذ ربتنا جميعًا تربية دينية، وحفظتنا القرآن منذ الصغر.
ويستعيد المهندس محمد ذكرياته مع أخيه البطل، قائلًا: «أذكر جيدًا كيف كان ينظر لصور أبطال أكتوبر، حيث كان يرى فيهم «القدوة» التى لا تموت، كبر ولم يتغير فيه شيئًا سوى بدلة الصاعقة التى عشقها، حيث كان يردد دائمًا: «يا محمد، الأرض دى شربت دم غالى فى 73، ومسئوليتنا إننا نرويها بدمنا لو حد فكر يمسها».
وحول المواقف التى سبقت استشهاده، يؤكد شقيق «الأسطورة»، أنه فى أيام رمضان الأخيرة قبل استشهاده، كان يودعنا برفق، وكان حريصًا على أن يترك خلفه سيرة عطرة فى كل تفصيلة، لم يكن يخشى الموت، بل كان يخشى ألا يؤدى الأمانة كما ينبغى، كان يربط دائمًا بين صيام جنود أكتوبر وصمود رجاله فى سيناء بعد 2014، ويقول دائمًا لجنوده: «إحنا أحفاد رجالة عبروا وهم صائمين، وإحنا هنطهر الأرض دى وإحنا صائمين».
ويوم استشهاده فى «ملحمة البرث» بمنطقة بئر العبد، لم يكن يدافع عن كمين عسكرى، بل يدافع عن «شرف العبور الجديد»، استبسل حتى النفس الأخير، ولم يترك جهازه اللاسلكي، أو سلاحه، فى تلك اللحظة، توحدت روح أحمد مع أرواح شهداء العاشر من رمضان.
وتابع: «حين استلمت جثمانه، لم أشعر بالكسر، بل شعرت برأس والدى -رحمه الله- يرتفع للسماء، أحمد لم يمت، هو فقط انتقل من سجلات «الأحياء» إلى سجلات «الخالدين والأبطال»، وهو الآن مع أبطال أكتوبر، يفطرون معًا فى جنات النعيم، تاركين لنا وطنًا لا يجرؤ أحد على كسر إرادته، وهو أيضًا لم يكن مجرد ضابط صاعقة، كان «رسالة من الله لنا»، أن مصر ولادة، وأن جيل 2014 هو الابن الشرعى لجيل 1973.. والرحم هو الأم المصرية الصابرة».
وتطرق المهندس محمد، للحديث عن شقيقه الأصغر أحمد المنسى- الذى ولد فى 4 أكتوبر عام 1978، بقرية بنى قريش فى مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، مؤكدًا أنه كان متفوقًا فى دراسته ويعشق القراءة وكتابة الشعر والأدب والإلقاء، فقد كان مرهف الحس يحنو على الصغير والكبير، وبعد تخرجه في الثانوية العامة، أصر على الالتحاق بالكلية الحربية، لكى يكمل حلمه المرتبط بحب مصر، وأن يكون درعًا واقيًا يحمى ترابها.
ويروى أيضًا عن أخيه قائلًا: «ما يسعدنى أن أخى وقطعة من روحى أصبح رمزًا يُحتذى به بين الشباب؛ فقد كان واحدًا من الأبطال الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، إذ كان قائد الكتيبة 103 صاعقة فى سيناء، وقاد العديد من العمليات النوعية الناجحة ضد العناصر الإرهابية، حتى نال الشهادة فى 7 يوليو 2017، أثناء تصديه لمحاولة استهداف قوات الأمن فى شمال سيناء».
وعن علاقته بجنوده، يؤكد المهندس محمد، أنه لم يكن قائدًا بالرتبة فقط، بل كان أبًا وأخًا ومعلمًا؛ أحبه جنوده لقربه منهم وحرصه الدائم على احتوائهم، وكان يزرع فيهم الثقة والشجاعة، ويحفزهم على أداء واجبهم بروح عالية، وعرف بتواضعه الشديد، وكان يتألم لفقد أى فرد من رجاله، ويقف إلى جوارهم فى الشدائد قبل الأفراح.
اشتهر «المنسى»، بشجاعته واحترافيته العسكرية، وحظى بتقدير قياداته وزملائه، لما عرف عنه من حكمة فى إدارة المعارك وثبات فى أصعب اللحظات، وبعد استشهاده، خلد اسمه بإطلاقه على عدد من المدارس والشوارع والميادين فى مصر، كما جسدت بطولاته فى فيلم «الخلية».
كان «الأسطورة»، يملك قلبًا رقيقًا يذوب أمام أمى، رغم صلابته التى كانت تشتد كالفولاذ فى وجه أعدائه، وفى لقائهما الأخير قبل سفره إلى سيناء، بدا وكأنه يودعها بروح تستشعر قدرها، انحنى يقبل يدها طويلًا، وأطال النظر فى عينيها بصمت عميق، وشعرت أمى بانقباض فى قلبها، لكنها ظلت دومًا مصدر ثباته وقوته، وابتسم لها يومها وقال: «ادعى لى بالشهادة يا أمى؛ مصر محتاجة دم يروى أرضها زى ما حصل فى أكتوبر 73».
كان يرى فى دعائها حصنًا يحتمى به وسلاحًا يتقوى به، حتى فى قلب العمليات، وسط أزيز الرصاص فى سيناء، كان يحرص على الاتصال بها، لا ليطمئنها فقط، بل ليسمع صوتها وهى تدعو له بالنصر والثبات، لم يكن يطلب الدعاء بالنجاة، بل كان يلتمس منها دعاء الرجال الذين يمضون إلى قدرهم بثقة المؤمن. وعندما ارتقى شهيدًا فى ملحمة البرث، لم تكن أمى مجرد أم فقدت ابنها، بل كانت أم بطل تدرك أن فلذة كبدها سبقها إلى مقام الشهداء، استقبلت الخبر بدموع امتزج فيها الوجع بالفخر، وكانت تردد: «أحمد راح للى خلقه وساب لنا وطن نرفع رأسنا بيه، هو وزمايله».






