د.حسام عطا
الامتدادات العمرانية فى مصر والصناعات الإبداعية.. قراءة فى المدن المصرية الجديدة
يصادف أن تكررت زياراتى الفترة الماضية لأصدقاء فى المدن الجديدة والتجمعات السكانية الحضارية فى طريق مصر إسكندرية الصحراوى، وكانت أحدث مغامرة لى الخروج بعيدًا عن القاهرة العاصمة التى أحبها بضجيجها وتكاتفها وعلاقة الناس فيها ببعضهم البعض والتى لا تزال ذات طابع تدخلى وتشاركى يسمح بتواصل إنسانى مصرى خاص.
وكلما ذهبت إلى تلك المدن الجديدة أتأمل بطبيعة اهتماماتى ذلك الهدوء وتلك المساحات المتسعة والخصوصية التى طالما نادى بها المثقفون حرصًا على الحريات الشخصية، إلا أننى أجد نفسى أمامها مندهشًا ولا أعرف لماذا أحن لذلك الزحام ولهؤلاء الذين يراقبون بعضهم البعض كل يوم فى الشارع الواحد؟!
ربما يبدو لى ذلك أمرًا مزعجًا نسبيًا إلا أنه يشعرنى رغم أنه تدخل نسبى يومى فى الحياة الشخصية بالأمان وبالدفء الإنسانى.
وواحدة من علامات ذلك الدفء هى أماكن تجمع البشر فى القاهرة الكبرى، تلك المقاهى الصغيرة ثم دور العرض السينمائية الشعبية التى كانت، ثم دور العرض المسرحية.
لاحظت فى التجمعات السكانية المغلقة غيابها تمامًا، ربما تحضر أحيانًا بعضًا من «الكافيهات» الجديدة وهى ممتلئة بالناس نسبيًا، قلت هل هى المتاح البديل لفكرة التجمع البشرى، فى ظل ندرة دور العرض المسرحية والمكتبات الكبرى ومحال بيع الكتب والمسارح ودور العرض السينمائية.
تذكرت عددًا من الحملات الصحفية شاركت فى بعضها عن هدم دور العرض السينمائية فى العاصمة وعدد من المسارح، وبعضا من دور العرض التاريخية فى عواصم مصر الأخرى مثل دار سينما أسيوط التاريخية.
وإذ أتأمل تلك الحملات المتعددة سألت نفسى سؤالًا إيجابيًا وهو لماذا لم نطالب فى حملة مماثلة ببناء دور عرض للمسرح والسينما ومكتبات كبرى وتجمعات التنفس الإنسانى الممكنة؟
وربما تتحرك نقابة المهندسين المصرية أو هيئة المجتمعات العمرانية أو الإدارات المحلية لوضع قاعدة لا تكتمل معها تلك التجمعات السكنية الجديدة ولا التصريح لها ولا مد المرافق الأساسية دون إنشاء نسبة مناسبة من دور العرض الفنى والثقافى المتعددة تكون جزءًا واضحًا كبيرًا من ذلك الامتداد العمرانى الكبير ليس فقط فى القاهرة الجديدة ولكن فى كل تلك المدن الجديدة فى مصر كلها، مثلًا أسيوط الجديدة ومثيلاتها فى الصعيد، المنصورة الجديدة ومثيلاتها فى الدلتا، وأيضًا فى التجمعات السكانية المغلقة الجديدة الخاصة، وبعضها يحرص على وجود النوادى، ومنها أفرع لنواد أوروبية ذات مستوى رفيع تمت فى عدد من المنتجعات المغلقة الجديدة، لكنها ومع ضرورة حضور الصيدلية والسوق والخدمات الأخرى بدلاً من أن تخلو من المسارح ودور العرض السينمائية والفنية والمكتبات العامة المعاصرة.
وهذا الاقتراح لا ينفى وجود مثل تلك الدور، إلا أنها نادرة جداً فى ظل هذا التوسع العمرانى الجديد.
والذى أود لفت الانتباه لأن وجوده ضرورة كعلامات رمزية معمارية وكعلامات مميزة لتلك الامتدادات العمرانية الحاضرة الآن فى مصر، وهى إنجاز كبير يجب أن يتضمنه الاهتمام بالبنية التحتية ذات الصلة بالصناعات الإبداعية، وفقاً للحضور البشرى المتكاثر فى تلك التجمعات ولتلبية الاحتياج الطبيعى الإنسانى للتجمع ولممارسة تلقى الفنون والثقافة. وهذه مسألة ضرورة لمستقبل الفنون التعبيرية المصرية، مع ضرورة استعادة الدور المهجورة المغلقة والتى يبدو إغلاقها وكأنه تمهيد لهدمها فى كل عواصم مصر التاريخية. ومع تزايد عدد السكان نحتاج لتزايد تلك البنية التحتية للصناعات الإبداعية، والاهتمام فى ظل المساحات الواسعة فى الامتداد العمرانى الجديد بأن تكون دورًا للعروض الإبداعية تتماس وتتصل بدور العرض الكبرى فائقة الجودة، والتى يبنيها العالم المعاصر، ويجعلها قادرة عبر التكنولوجيا والإمكانات الجديدة على إثارة خيال المبدعين والجمهور معًا.
وذلك حرصًا على البنية التحتية للصناعات الإبداعية، واستمرار الجمهور العام فى مصر فى عادة الذهاب إلى تلك الدور، دور الفن المبهجة.
وفى ذلك حرص على مستقبل الفنون التعبيرية المصرية وعلى حيوية التجمع الإنسانى.






