الخميس 26 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
رمضان شهر الشُّكر

رمضان شهر الشُّكر

الشكر مقصد قرآنى فى آية الصيام، ويتسنى استخراج هذا المعنى من قول الله تعالى فى آية الصيام الجامعة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ … يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. 



إن كل كلمة فى القرآن موضوعة بحكمة، وكل حرف جاء بميزان دقيق، فلما ختم الله مقاصد الصيام بقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، دلّ ذلك دلالة واضحة على أن من أعظم ما يُراد من رمضان أن يمتلئ وعى الإنسان وقلبه بمعنى الشكر.

الله هو الشكور على الحقيقة

من العجيب أن الله جل جلاله وصف نفسه بالشكر، فقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، والشكر فى أصله هو الثناء بالجميل، لكن إذا نُسب الشكر إلى الله، كان أبلغ وأعظم، لأن الله: خلق فيك الفعل الحسن، وأقدرك عليه، وهيّأ لك أسبابه، ثم سجّله لك، ثم أثنى به عليك، ثم كافأك عليه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، فالله هو الشاكر على الحقيقة، لأنه لا يضيع خيرًا صغيرًا ولا كبيرًا. وقال سبحانه: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. 

الشكر: حفظ الجميل وعدم الجحود

إذا كان الله شاكرًا لعباده، فإنه يطلب منهم أن يتخلقوا بهذا الخُلُق فى حدود طاقتهم البشرية. والشكر المطلوب من الإنسان هو: حفظ الجميل، وعدم إنكاره، وعدم الجحود به، والاعتراف بالإحسان. قال النبى ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئًا».

فكل ذرة إحسان تستحق أن تُرى وتُقدَّر. 

الشكر حياءٌ من المُنعم

يقول العلماء: إن أصل الشكر يتولد من حياء القلب من كرم المُنعم. كلما استشعر الإنسان كثرة الإحسان مع شدة تقصيره، انكسر قلبه حياءً، وامتلأ شكرًا. ولذلك قال الشاعر: أبعث لم تأتنا رسله         وجازمه النار لم تُضرم

أليس من الواجب المستحق     حياءُ العباد من المنعم؟

الأنبياء سادة الشاكرين

وصف الله أنبياءه بالشكر، فنوح عليه السلام قال فيه الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، ووصف إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾، وقال لموسى عليه السلام: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. أما سيد الشاكرين فهو النبى ﷺ، حين كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟».

رمضان شهر شهود النِّعم

رمضان شهر الشكر، لأنه شهر شهود النِّعم: نعمة الإيمان، ونعمة القرآن، ونعمة العبادة، ونعمة اليسر، ونعمة الهداية. قال النبى ﷺ: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله». فالشكر لا يكتمل إلا بشكر الله أولًا، ثم شكر الخلق ثانيًا.

الإنسان بين الشكر والكفر

قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، لا خيار ثالث: إما شكر، وإما كفران نعمة. وقال سليمان عليه السلام: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِى أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. 

حقيقة الشكر والعجز عنه

روى العلماء أن داود عليه السلام قال: يا رب، كيف أشكرك، وشكرى لك نعمة تحتاج إلى شكر؟ فأوحى الله إليه: الآن شكرتني، حين علمت أنك عاجز عن شكرى. فالشعور بالعجز عن شكر النعم هو من أعظم معانى الشكر.

صور الشكر الثلاث

الشكر ليس كلمة تُقال فقط، بل له ثلاث صور: شكر باللسان، وكلام طيب، واعتراف بالفضل، وحفظ للجميل، ولسان عفيف. شكر بالجَنان (القلب)، وهو شعور صادق بالامتنان، لا تصنع فيه ولا مجاملة. وشكر بالأركان (الجوارح)، وهو عمل صالح، وسلوك مستقيم، وحياة ناطقة بالعرفان.

قال الشاعر: أفادتكم النعماء منى ثلاثة     يدى ولسانى والضمير.

وقال تعالى فى آل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، فجعل العمل نفسه شكرًا. والشكر مفتاح الزيادة لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، فمن أراد دوام النعمة، فليلزم باب الشكر. ومع ذلك قال الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، نسأل الله أن يجعلنا من هذا القليل.

وخلاصة القول: إن رمضان شهر الشكر، شهر الامتنان وشهر حفظ الجميل، وشهر الوفاء لله وللناس. 

نسأل الله أن يملأ قلوبنا، وألسنتنا، وأعمالنا شكرًا واعترافًا وامتنانًا، وأن يجعلنا من عباده الشاكرين.