الجمعة 27 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

نقلة نوعية فى الطرق لربط سيناء بالدلتا ووادى النيل

تحل ذكرى تحرير سيناء من كل عام لتعيد إلى الأذهان ملحمة استعادة الأرض، وتفتح، فى الوقت ذاته، صفحة جديدة من العمل من أجل تعميرها وربطها بباقى أنحاء الجمهورية، ومع احتفالات أعياد سيناء، تتجدد الإشارة إلى ما تحقق من إنجازات فى مجالات البنية التحتية، خاصة فى شبكات السكك الحديدية والأنفاق والطرق، التى باتت تمثل شرايين حياة حقيقية تدفع بعجلة التنمية فى شبه الجزيرة.



الأنفاق.. بوابات العبور إلى التنمية

تمثل الأنفاق الجديدة أسفل قناة السويس نقلة نوعية فى ربط سيناء بالدلتا ووادى النيل، بعدما ظلت لعقود تعتمد بشكل رئيسى على المعديات وكوبرى السلام، وجاء افتتاح أنفاق الإسماعيلية وبورسعيد ليؤسس لمرحلة جديدة من سهولة الانتقال وحركة الأفراد والبضائع على مدار الساعة.

وفى نطاق محافظة الإسماعيلية، تم تنفيذ أنفاق الشهيد أحمد حمدى 2 لتكمل دور النفق القديم «نفق الشهيد أحمد حمدي»، ما ضاعف الطاقة الاستيعابية لحركة السيارات، وساهم فى تقليل زمن العبور بشكل كبير، علاوة على ما شهدته محافظة بورسعيد من افتتاح أنفاق جديدة أسفل القناة، لتربط غربها بشرقها وتخدم مناطق شرق التفريعة وميناء شرق بورسعيد، ما يعزز فرص الاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية فى شمال سيناء. هذه الأنفاق لم تكن مجرد مشروعات هندسية عملاقة، بل مثّلت رسالة واضحة بأن تنمية سيناء أولوية استراتيجية، وأن عزلتها الجغرافية لم تعد عائقًا أمام دمجها الكامل فى الخريطة الاقتصادية لمصر.

الطرق.. شرايين تمتد عبر الصحراء

بالتوازى مع الأنفاق، شهدت سيناء طفرة غير مسبوقة فى إنشاء وتطوير الطرق، سواء لربط مدنها ببعضها البعض أو لربطها بمحافظات القناة والدلتا، ويعد محور 30 يونيو أحد أبرز هذه المشروعات، إذ يربط بين طريق «القاهرة- الإسماعيلية» الصحراوى وميناء شرق بورسعيد، مرورًا بمناطق صناعية وزراعية جديدة.

كما جرى تطوير الطريق الدولى الساحلى فى شمال سيناء، الذى يمتد من القنطرة شرق حتى رفح، بما يسهم فى تسهيل حركة النقل التجارى ودعم جهود إعادة الإعمار فى مدن مثل العريش والشيخ زويد ورفح، وفى الجنوب، تم رفع كفاءة طريق «شرم الشيخ – النفق»، وطريق «النفق – طابا»، بما يخدم النشاط السياحى فى مدن خليج العقبة والبحر الأحمر.

وساهمت هذه الشبكة فى تقليص زمن الرحلات، ورفع معدلات الأمان المروري، وتهيئة البيئة المناسبة لإقامة مجتمعات عمرانية وزراعية جديدة، فى إطار خطة الدولة لزيادة الكثافة السكانية فى سيناء وجذب الاستثمارات.

عودة القطار إلى أرض الفيروز

من أبرز ملامح تعمير سيناء مشروع إعادة إحياء وربط شبه الجزيرة بشبكة السكك الحديدية القومية، فقد شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ خط سكة حديد «الفردان – بئر العبد»، تمهيدًا لمدّه حتى العريش، بما يعيد القطار إلى شمال سيناء بعد سنوات من التوقف.

ويرتبط هذا المشروع بمحطة الفردان الجديدة وكوبرى الفردان فوق قناة السويس، الذى يعد من أكبر الكبارى المتحركة فى العالم، ويسهم الخط فى خدمة نقل الركاب والبضائع، خاصة المنتجات الزراعية والصناعية، ويدعم خطط إنشاء مناطق صناعية ولوجستية فى بئر العبد والعريش.

ويمثل امتداد السكك الحديدية إلى سيناء خطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على النقل البرى بالشاحنات، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز تنافسية المنتجات القادمة من شرق القناة، كما يعزز فرص توطين السكان عبر توفير وسيلة نقل آمنة ومنتظمة تربطهم بباقى المحافظات.

تنمية متكاملة تتجاوز البنية الأساسية

لا يمكن النظر إلى مشروعات الأنفاق والطرق والسكك الحديدية بمعزل عن رؤية تنموية أشمل تستهدف تغيير خريطة العمران فى سيناء، فقد ارتبطت هذه المشروعات بإقامة تجمعات سكنية جديدة ومشروعات زراعية تعتمد على استصلاح الأراضى وتوصيل مياه الري، إلى جانب تطوير الموانئ والمناطق الصناعية.

كما تسهم هذه المشروعات فى دعم جهود مكافحة الإرهاب، عبر إحكام السيطرة على المحاور والطرق وتسهيل حركة قوات الأمن والخدمات، بما يعزز الاستقرار الذى يعد شرطًا أساسيًا لأى تنمية مستدامة.

مليارات لتعزيز الربط القومى بسيناء

لم تكن مشروعات الأنفاق والطرق والسكك الحديدية فى سيناء مجرد توسعات خدمية، بل مثّلت استثمارات ضخمة تؤكد جدية الدولة فى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة فى شبه الجزيرة، فقد بلغت تكلفة تنفيذ الأنفاق الجديدة أسفل قناة السويس — وفى مقدمتها أنفاق الإسماعيلية وبورسعيد — ما يتراوح بين 35 و60 مليار جنيه، وذلك بحسب مراحل التنفيذ والتجهيزات الفنية المصاحبة، وشملت هذه التكلفة أعمال الحفر العملاقة، وأنظمة التهوية والتأمين، والربط بشبكات الطرق الرئيسية، بما يضمن تشغيلًا آمنًا ومستدامًا على مدار الساعة.

وفيما يتعلق بشبكة الطرق، فقد شهدت سيناء طفرة كبيرة فى إنشاء وازدواج ورفع كفاءة المحاور الرئيسية، بإجمالى تكلفة تُقدّر بنحو 56 مليار جنيه، شملت تطوير الطريق الدولى الساحلى بشمال سيناء، ومحور 30 يونيو، وطرق الربط بين مدن الجنوب مثل شرم الشيخ وطابا والنفق، وأسهمت هذه المشروعات فى تقليص زمن الرحلات، وتحسين مستوى الأمان المروري، ودعم خطط الاستثمار الزراعى والصناعى والسياحى فى مختلف مناطق شبه الجزيرة.

أما فى قطاع السكك الحديدية، فقد تم تخصيص استثمارات لإعادة إحياء خط سكة حديد «الفردان - بئر العبد»، الذى بلغت تكلفة تطوير مرحلته الأولى نحو 1.4 مليار جنيه، تمهيدًا لمد الخط حتى العريش وربطه بميناء شرق بورسعيد، ويأتى هذا المشروع ضمن مخطط أشمل لمد شبكة السكك الحديدية داخل سيناء بطول يقارب 500 كيلومتر، بما يعزز نقل البضائع والركاب ويقلل الضغط على النقل البري.

وتعكس هذه الأرقام - التى تتجاوز فى مجموعها عشرات المليارات من الجنيهات- حجم الرهان الوطنى على تنمية سيناء، ليس فقط باعتبارها عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا، وإنما كمنطقة واعدة اقتصاديًا قادرة على جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل وخلق مجتمعات عمرانية جديدة، وهكذا تتحول ذكرى تحرير سيناء فى كل عام من احتفال باسترداد الأرض إلى تأكيد عملى على استمرار معركة البناء والتعمير، عبر مشروعات قومية عملاقة تعيد رسم خريطة التنمية شرق قناة السويس.

ومع استمرار تنفيذ المشروعات القومية، تبقى سيناء فى قلب معادلة الأمن القومى والتنمية الشاملة، ويظل تعميرها واجبًا وطنيًا يتجدد فى كل ذكرى لتحريرها، ففى أعياد سيناء، لا يُحتفى فقط بالماضى المجيد، بل يُحتفى أيضًا بمستقبل يُبنى على أرض الفيروز، مدعومًا بشبكة حديثة من الطرق والأنفاق والسكك الحديدية، تمهد الطريق لأجيال قادمة نحو مزيد من الاستقرار والازدهار.