رمضان شهر المغفرة
الحقيقة أن بقدر ما نفرح فرحًا عظيمًا فى أوائل رمضان باستقباله، يكون مقدار الحزن على فراقه فى أواخره؛ فراق تلك الأيام الطيبة المفعمة بالخير والندى والجود والسخاء، التى تشيع فى أجوائها آيات الذكر الحكيم.
فى رمضان تسعى القلوب والعقول والنفوس إلى دواعى الهداية، ويشعر الإنسان بقرب خاص من الله، بحال من الصفاء والشفافية، كأنه يطير فى السماء، قريب من الغيب، قريب من الملأ الأعلى، كأن بابًا مفتوحًا بينه وبين ربه.
تتجلى معانى الإيمان والإسلام فى تعظيم شعائر الله، وكثرة الصلاة، والإقبال على الله، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن الكريم، وإطعام الفقير، ومساعدة المحتاج. ونسأل الله أن يديم لنا ولكم هذه المعاني، حتى يكون العام كله قبسًا من أنوار شهر رمضان، ومن أنوار ليلة القدر.
رمضان والمغفرة
هذا المعنى بيّنه النبى ﷺ بوضوح، حين قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وقال ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»؛ وقال: وورد فى الحديث المشهور أن النبى ﷺ صعد المنبر فقال: آمين، ثم آمين، ثم آمين. فلما سأله الصحابة، قال: «أتانى جبريل فقال: يا محمد، من أدرك رمضان فلم يُغفر له فأبعده الله، فقلت آمين…». فكان رمضان فرصة عظيمة للمغفرة، ومن أدركه ولم ينل مغفرة الله فقد فاته خير عظيم.
التوحيد والاستغفار: طريق المغفرة
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، فكأن الله لخّص معالم الشريعة فى كلمتين: التوحيد والاستغفار. وقال تعالى فى ختام سورة النصر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. والاستغفار سبب عظيم للمغفرة، ولتفريج الكرب، ورفع الهم، وسعة الرزق، كما قال النبى ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». ولهذا كان الصالحون يجعلون لأنفسهم وِردًا دائمًا من الاستغفار.
أبواب واسعة للمغفرة
فتح الله أبواب المغفرة على مصاريعها، وجعل لها أسبابًا كثيرة، منها: الصيام والقيام فى رمضان، وكثرة الاستغفار، واللين والسماحة فى البيع والشراء والتقاضي، وإسباغ الوضوء والخروج إلى الصلاة، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وترديد الأذان مع المؤذن، والذكر، مثل قول: «سبحان الله وبحمده» مئة مرة صباحًا ومساءً. بل جعل الله المغفرة فى أعمال يسيرة، مثل: إماطة الأذى عن الطريق، ومصافحة الناس، وبذل السلام وحسن الكلام، والرحمة بالحيوان وسقيه، وإنظار المعسر والتجاوز عنه، والجلوس فى مجالس الذكر.
قال ﷺ: «بينما رجل يمشى بطريق وجد غصن شوك فأماطه عن الطريق، فشكر الله له فغفر له». وقال ﷺ: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرقا».
وختامًا؛ رمضان شهر المغفرة، شهر فتح الله فيه ألف باب وباب للمغفرة، وسهّل فيه الطرق، وقرّب فيه الأسباب، كأن الله يريد لعباده أن ينالوا مغفرته من أى باب دخلوا.
نسأل الله أن يتوج أعمالنا وأعمالكم بالمغفرة، وأن يفتح لنا كل سبيل إليها، وأن يختم لنا شهر رمضان برضوانه والقبول.










