خبراء: التصعيد يهدد الأمن الإقليمى والعالمى و«القاهرة» ناصح أمين
محمود محرم ومحمد السيد
كانت مصر، بحكم التاريخ والجغرافيا، الركيزة التى تستند إليها المنطقة فى أشد الأزمات، والقلب النابض الذى لا يتوقف عن السعى لحماية القضايا العربية، فهى لم تكن يومًا طرفًا فى تأجيج صراع، بل ظلت دوماً «الناصح الأمين» الذى يمتلك رؤية ثاقبة، تضع مصلحة الشعوب واستقرار الدول فوق كل اعتبار، حيث تمزج بين ثقلها السياسى ودورها الأخلاقى لحل أعقد الملفات الشائكة، حيث أكد عدد من الخبراء، أن «القاهرة» تظل دائماً مفتاح الحل، ومنارة الحكمة، والطرف الذى يُستمع إليه حين تشتد أصوات الحرب.
من جانبه، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولى العام، إن الضربات تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة دولة عضو مؤسس بالأمم المتحدة، ولا يمكن تبريرها قانونيًا، لأن القانون الدولى يرفض نظرية الضربات الاستباقية ضد تهديدات محتملة، موضحًا أن هذه الضربات لا تُعد دفاعاً شرعيًا عن النفس، إذ تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على أن هذا الحق لا يمارس إلا عند وقوع عدوان مسلح فعلي.
ونوه بأن برنامجًا نوويًا أو تهديدات لفظية لا يبرران استخدام القوة، محذراً من أن قبول هذا المنطق يعيد العالم إلى «قانون الغاب»، فضلا عن أن نظرية الحرب الوقائية استخدمت سابقًا لتبرير غزو العراق دون وجود أسلحة دمار شامل.
وحول المحاسبة الدولية، أوضح أن الآليات موجودة نظريًا لكنها مشلولة عمليًا بسبب «الفيتو والانتقائية»، فمجلس الأمن معنى بحفظ السلم، لكنه يتعطل بفعل الفيتو الأمريكي، بينما المحكمة الجنائية الدولية يمكنها نظريًا محاكمة جرائم العدوان، إلا أن أمريكا وإسرائيل خارج نظام روما، أما محكمة العدل الدولية فتتطلب موافقة الأطراف، وهو ما ترفضه إسرائيل، محذرًا من أن الدول القوية قد تفلت حاليًا من العقاب، لكن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، ما يبقى المساءلة قائمة مستقبلاً.
وأكد مهران أن أزمة القانون الدولى ليست فى النصوص بل فى غياب آليات الإنفاذ، إذ لا توجد سلطة عليا تفرض تطبيقه، بينما تتجاهله الدول الأقوى رغم وضوح مواثيق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف ونظام روما، مضيفًا أن اتفاقية «فيينا» تلزم بتنفيذ المعاهدات بحسن نية، لكن غياب الإرادة السياسية يحول القانون الدولى لأداة انتقائية ضد الضعفاء، مشددا على ضرورة إصلاح جذرى يشمل إلغاء الفيتو، وتفعيل المحاسبة الجنائية، وخلق آليات إنفاذ حقيقية، فاستمرار الوضع الراهن يبقى القانون الدولى حبرًا على ورق.
بينما يوضح الدكتور مختار الغباشي، أمين عام مركز الفارابى للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن التطورات المتسارعة فى إيران فتحت الباب أمام تحولات كبيرة فى بنية الحكم وخريطة الصراع الإقليمي، موضحًا أن إدارة الدولة الإيرانية تبدو حاليًا أقرب إلى نموذج «الثلاثية القيادية»، المتمثلة فى الرئيس الإيراني، ورئيس القضاء، وأحد القيادات البارزة فى مجمع تشخيص مصلحة النظام أو مجلس صيانة الدستور، مواصلا أن طهران سارعت لاستبدال عدد من القادة العسكريين الذين تم اغتيالهم فى الضربات الأخيرة بقادة جدد لضمان استمرارية القرار العسكري، فضلا عن أن الرد الإيرانى كان «مزلزلاً»، وحجم الأضرار داخل إسرائيل يفوق المعلن رسمياً، مع استمرار إطلاق الصواريخ وعدم توقف الضربات، ومن أخطر التطورات استهداف حاملة طائرات أمريكية بصواريخ فرط صوتية، وهو ما ألمحت إليه طهران سابقًا بقولها إن الوصول لحاملات الطائرات أمر سهل، لكن إغراقها خيار تمتلك أدواته.
وحول تأثير الحرب على خريطة المنطقة، أكد أن دول الخليج أكبر المتضررين لوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، فضلا عن إعلان إيران صراحة أن هذه القواعد أهداف مشروعة بالنسبة لها باعتبارها تهديداً مباشرًا لسيادتها، لافتا إلى أن الخطاب الإيرانى الرسمى حمل واشنطن وتل أبيب مسئولية التصعيد.
وفى تقييمه لطبيعة الضربة، قال الغباشى إنها تمثل تحولاً معنويًا كبيرًا لكنها لا تعنى حسم الحرب، فالصواريخ ما زالت تنطلق من إيران نحو إسرائيل، مضيفًا أن بعض التقديرات ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل كتبتا البداية، بينما النهاية بيد إيران، ليس بمعنى تحقيق انتصار حاسم، بل لأنها لن توقف المواجهة قبل تحقيق بعض من أهدافها، وعلى رأسها الرد على اغتيال قياداتها وما يمثله ذلك من إهانة داخلية، علاوة على أن مدة استمرار الحرب ستظل مرتبطة بحجم الأضرار المتبادلة وطبيعة الأهداف العسكرية ومستوى التصعيد.
وفيما يتعلق باحتمالات سقوط النظام الإيراني، استبعد هذا السيناريو فى المدى القريب، لكنه رجح تعرضه لإضعاف ملحوظ نتيجة الضربات المتواصلة، محذرًا من أن المشهد يبقى قابلاً للانفجار والتوسع، خاصة مع عدم دخول الميليشيات المرتبطة بإيران فى العراق ولبنان والحوثيين بشكل مباشر حتى الآن، متسائلاً عما إذا كانت المرحلة المقبلة قد تشهد انخراط هذه الأطراف، لا سيما أنها تدرك أن سقوط النظام الإيرانى سيعنى بداية نهايتها هى الأخرى.
الدكتور عبدالمنعم سعيد، أستاذ العلوم السياسية، أكد أن التصعيد العسكرى الإسرائيلى الأمريكى ضد إيران تطور بالغ الخطورة، لا تقتصر تداعياته على البعد العسكرى فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واستراتيجية واسعة، خاصة فيما يتعلق بحركة التجارة الدولية وأمن الملاحة فى البحر الأحمر، الذى يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية وأى اضطراب فى هذه المنطقة سينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد من الضغوط على اقتصادات دول المنطقة، بما فى ذلك مصر، التى ترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية ارتباطا وثيقا باستقرار هذا الممر الحيوي.
وأشار إلى أن ما يجرى حاليا يرتبط برؤية إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة تشكيل خريطة المنطقة، فى إطار سعيها لترسيخ نفسها كقوة إقليمية كبرى مهيمنة، مستفيدة من حالة السيولة الاستراتيجية والصراعات القائمة وهذا الطرح يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تشمل اتساع نطاق الحرب، أو إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية، وهو ما قد يؤدى لتحولات عميقة فى هيكل النظام الإقليمى بأكمله.
ولفت سعيد إلى أن مصر تبنت منذ وقت مبكر رؤية قائمة على إدراك طبيعة التحديات المقبلة، وهو ما انعكس فى تسريع وتيرة التنمية الشاملة وبناء القدرات الوطنية، باعتبار أن القوة الشاملة للدولة تمثل الركيزة الأساسية لحماية الأمن القومى فى ظل بيئة إقليمية مضطربة، مشددًا على أن القيادة السياسية والأجهزة المعنية تتابع تطورات الموقف بدقة، وتتحرك وفق استراتيجية متوازنة تضع فى مقدمة أولوياتها الحفاظ على الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
وأوضح أن مصر تظل دولة محورية تسعى لدعم السلام الإقليمى والحفاظ على التوازن، انطلاقًا من إدراكها لحجم المخاطر التى قد تترتب على اتساع دائرة الصراع، بما فى ذلك احتمالات امتداده إلى مناطق أخرى مثل الخليج العربي، وهو ما يتطلب تعزيز الوعى الداخلى بحجم التحديات، والتمسك بوحدة الجبهة الداخلية، باعتبار ذلك عنصرا أساسيا فى مواجهة أى تداعيات محتملة والحفاظ على استقرار الدولة ومصالحها الاستراتيجية.
فيما شدد الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، على أن الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران ستكون لها آثار كبيرة فى إعادة تشكيل خريطة التوازنات الإقليمية، مشيرا إلى أن ما تشهده المنطقة حاليًا ليس مجرد تصعيد عسكرى محدود، بل تطور استراتيجى قد يفتح الباب أمام تحولات أوسع فى بنية النظام الإقليمي، سواء من حيث توزيع النفوذ أو طبيعة التحالفات القائمة.
وتابع:» أحد أخطر تداعيات هذه الحرب يتمثل فى احتمالات إضعاف أو سقوط النظام الإيراني، وهو سيناريو - إذا تحقق - ستكون له انعكاسات مباشرة على خريطة النفوذ فى الشرق الأوسط، حيث قد تنشأ حالة من الفراغ الاستراتيجى تسعى قوى إقليمية ودولية إلى ملئه، بما قد يؤدى لإعادة رسم موازين القوى، وتصاعد حدة التنافس، وربما انتقال الصراع إلى ساحات جديدة، خاصة فى ظل تشابك المصالح وتعدد الفاعلين فى المنطقة».
ولفت فرحات إلى أن هناك عدة سيناريوهات محتملة لمسار الحرب، تبدأ باستمرار الضربات العسكرية فى نطاقها الحالي، مرورا باحتمالات توسعها عبر أذرع إيران الإقليمية، وصولًا إلى سيناريو أكثر خطورة يتمثل فى امتداد المواجهة مع دول الخليج، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما قد يهدد أمن الممرات البحرية و إمدادات الطاقة، ويؤثر على استقرار الاقتصاد العالمي، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وأضاف أن هذه التطورات تؤكد أهمية بناء الوعى الاستراتيجى فى الداخل، وفهم طبيعة التحديات الإقليمية، لافتا إلى أن ما حققته الدولة المصرية من تسارع فى وتيرة التنمية خلال السنوات الماضية يعكس إدراكًا مبكرًا لحجم التحديات المستقبلية، وحرصًا على تعزيز قدرة الدولة على الصمود والتعامل مع الأزمات وأن قوة الدول فى مثل هذه اللحظات لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل بصلابة جبهتها الداخلية، ووعى مجتمعها، وقدرتها على حماية أمنها القومى فى ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد وسريعة التغير.






