الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

كيف أسس حسن البنا استراتيجية الوجه الدعوى والجناح الدموى للجماعة الإرهابية

خبراء: صراع الإخوان لم يكن على القيادة بل على «أدوات القتل»

هشام النجار
هشام النجار

شكل العنف لدى جماعة الإخوان الإرهابية خيارًا استراتيجيًا منذ تأسيسها عام 1928، وكشفت اللجان النوعية للتنظيم التى شُكلت بعد 30 يونيو 2013، عن المسار الدموى الذى لم ينقطع داخل بنيتها التنظيمية السرية كوسيلة أساسية لتحقيق أهدافها، خاصة أن الـ«تنظيم الخاص» فى أربعينيات القرن الماضى كان مجرد البداية لتبنى أساليب جديدة للعمل المسلح، تطورت لاحقاً لتنظيمات أكثر دموية كـ«حسم» و«لواء الثورة».



وقال هشام النجار الكاتب المتخصص فى الفكر الدينى وشئون الارهاب، على أن جماعة الإخوان اعتمدت تاريخيًا على استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين العمل العلنى والكيانات السرية المسلحة، وأن هذه القاعدة التنظيمية لم تكن طارئة فى مسار الجماعة، بل تعود إلى الأفكار التى رسخها مؤسسها حسن البنا وتقوم على وجود جناحين؛ الأول علنى يمارس النشاط الدعوى والسياسى ويخاطب المجتمع، والثانى سرى مسلح يتولى تنفيذ العمليات العنيفة عند الحاجة، وهو ما أطلق عليه البنا فى أدبيات الجماعة مفهوم «المعرض والورشة»، فى إشارة إلى الواجهة العلنية مقابل البنية التنظيمية السرية. 

وأشار إلى أن هذا التصور تطور لاحقًا مع كتابات الإرهابى سيد قطب، الذى قدم غطاءً فكريًا لتبرير العنف المسلح من خلال أطروحاته حول ما أسماه «رد الاعتداء»، وهو الطرح الذى حاول تطبيقه عمليًا فى تنظيم عام 1965، حين سعت الجماعة لإنشاء تشكيل عسكرى يعمل داخل المجتمع، وأن الجماعة لم تتخل عن هذه الاستراتيجية رغم الضربات التى تعرضت لها عبر العقود، بل سعت لإعادة إنتاجها بأشكال مختلفة، معتبراً أن مرحلة ما بعد 30 يونيو، شهدت إعادة تشكيل واضحة للأذرع المسلحة المرتبطة بالجماعة، حيث برزت داخل التنظيم قيادات مثل محمد كمال ومحمود عزت ويحيى موسى وعلاء السماحي، ممن تبنوا فكرة إنشاء كيانات مسلحة سرية تحمل أسماء مختلفة لكنها تعمل بتمويل ورعاية وتوجيه من داخل الجماعة وخارجها، وأن ما حدث مثل تحولًا مهمًا فى خريطة العنف المسلح، حيث واجهت الدولة المصرية للمرة الأولى طيفا واسعا من التنظيمات المتطرفة فى الوقت نفسه، تتصدرها جماعة الإخوان باعتبارها التنظيم المركزى الذى تفرعت عنه أو تأثرت به تيارات متعددة، من قطبيين وسلفية حركية وجهاديين وغيرها.

وأكد الباحث فى شئون الحركات الإسلامية طارق البشبيشى، أنه عند قراءة تاريخ الإرهابية بهدوء وتمعن تُكشف حقيقة أساسية لا تقبل الالتباس، وهى أن الجماعة منذ نشأتها، لم تكن مجرد تنظيم دعوى أو سياسي، بل تأسست على فكرة الوصول إلى السلطة بالقوة واستخدام العنف كأداة لتحقيق أهدافها، وأن الوقائع التاريخية التى مارست فيها «جماعة البنا» الإرهاب تكشف أن العنف لم يكن استثناء فى مسار التنظيم، بل كان جزءًا من بنيتها التنظيمية  والفكرية منذ البداية وأن فكرة الفصل بين الجماعة والعنف تعد خدعة كبرى، لأن جذور العنف موجودة فى أصل البناء التنظيمى لها. 

وشدد على أن الخطاب الذى ترفعه الجماعة أحيانًا حول السلمية أو الديمقراطية لا يعكس بالضرورة طبيعة مشروعها الحقيقي، لأنها اعتادت استخدام الشعارات السياسية وفقًا للظروف التى تتحرك فيها، بينما تظل أهدافها الاستراتيجية ثابتة، وما جرى بعد ثورة 30 يونيو، يمثل عودة الجماعة لنمطها الأول، بعد سقوط «قناع البراجماتية السياسية» الذى حاولت ارتداءه خلال السنوات التى أعقبت أحداث 25 يناير .

واعتبر أن «الإرهابية» عبر تاريخها، لم تمر بتحولات فكرية حقيقية تغير من طبيعتها الأساسية، وما يحدث فى كثير من الأحيان هو مجرد تكيف تكتيكى مع الظروف السياسية والأمنية المحيطة، وقد تؤجل اللجوء إلى العنف أو تخفف خطابها المتشدد عندما لا تسمح الظروف بالمواجهة، لكنها تعود إلى أساليبها الأصلية بمجرد توفر المناخ المناسب.

 فيما اعتبر حسام الحداد الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، أن عام 2014 يُمثل نقطة تحول مفصلية داخل بنية الإخوان، حيث ظهر انقسام عميق بين «الحرس القديم» الساعى للحفاظ على الهيكل التنظيمى عبر الكمون، وبين «تيار التغيير» أو «الكماليين» نسبةً لمحمد كمال وهذا التيار الأخير شكّل ما عُرف بـ«لجنة الإدارة العليا» التى تبنت استراتيجية «الإنهاك والإرباك»، فتم عزل العمل المسلح عن القواعد الإدارية التقليدية لضمان السرية التامة. 

وتابع: »أدى هذا التقسيم إلى خلق بنية موازية تعتمد على «القطاع المسلح» الذى يمتلك ميزانيات منفصلة وخطوط اتصال مباشرة مع قيادات الخارج، مما حوّل الخلاف الداخلى من صراع على القيادة إلى صراع على «أدوات التغيير»، حيث حسم الجناح المسلح أمره باتخاذ العنف مساراً وحيداً، وبالتالى فإن التحول نحو العنف لم يكون عشوائياً، بل استند إلى «تأصيل شرعى» صاغته لجان داخل التنظيم، موضحا أن الفترة  بين 2015 و2017 شهدت نضوجاً خطيراً فى نوعية العمليات الإرهابية؛ فانتقلت المجموعات من الكيانات الهلامية مثل «المقاومة الشعبية» و»العقاب الثوري» التى كانت تهدف لخلق ضجيج إعلامي، لتنظيمات شديدة المركزية والتدريب مثل «حسم» و«لواء الثورة»، فهذه المجموعات اعتمدت على هيكلية «الخلايا العنقودية» المنفصلة التى يصعب اختراقها أمنياً، واستخدمت تقنيات رصد متطورة واغتيالات نوعية، وعكس هذا التطور حجم الدعم اللوجستى والتدريب الذى تلقته هذه العناصر، سواء فى معسكرات داخلية فى المناطق النائية أو عبر تنسيق استخباراتى خارجي، لتحويل العنف من مجرد «شغب مسلح» إلى حرب عصابات مدن. 

وأردف: »هذا التوجه الصريح نحو الإرهاب أدى لسقوط القناع الأخير عن الجماعة الإرهابية  أمام المجتمع الدولي، حيث أثبتت هذه اللجان أن العنف ليس مجرد «رد فعل» بل هو مكون عضوى فى أيديولوجيا التنظيم، يظهر كلما ضاقت عليه المسارات السياسية، مما أدى فى النهاية إلى تصنيفها رسمياً كمنظمة إرهابية وتفكيك بنيتها التحتية بعمليات أمنية استباقية».