رمضان شهر الأسرة
إن رمضان شهر الأسرة، وقد وقفت متأملا فى آيات الصيام فى القرآن الكريم، فوجدت آية يمرّ عليها كثير من الناس دون تدبر كافٍ، بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ ثم تأتى الآية الكريمة التى خُصصت كاملة للحديث عن العلاقة الأسرية، فقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾.
أى أن القرآن الكريم أفرد آية كاملة فى سياق آيات الصيام لتنظيم العلاقة بين الزوج والزوجة، وللارتقاء بالعلاقة الأسرية فى شهر رمضان؛ فكان المعنى واضحًا: إياك أن تجعل شهر رمضان سببًا للجفاء مع أسرتك، أو سببًا للقسوة، أو سببًا للإهمال العاطفي. يقول تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، ثم يأتى التعبير القرآنى البديع: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. يا له من تعبير عجيب! يشبه القرآن الزوجة باللباس الذى يحتوى الجسد، ويستره، ويصونه، ويمنحه الدفء والأمان، ويشبه الزوج كذلك باللباس لزوجته. فالعلاقة هنا ليست علاقة صراع أو تسلط، بل علاقة احتواء، وسكينة، ورحمة، ومودة. كأن الله يقول: رمضان شهر تهذيب المشاعر، وجبر الخواطر، وإحياء المودة داخل البيوت، وليس شهر توتر أو قسوة أو إهمال.
رمضان وإصلاح البيوت
يا كل إنسان بيته مهدد بالنزاع، أو الشقاق، أو الطلاق، أو الجفاء: رمضان شهر الأسرة. شهر إعادة جمع الشمل، وإزالة أسباب الفرقة، وبناء السكينة داخل البيوت. إياك أن تنشغل بالطاعات الظاهرة – من صلاة وتراويح وصدقات – وتغفل عن زوجتك وأسرتك. فمن مقاصد رمضان أن يكون شهر سعادة وطمأنينة داخل البيت، لا خارجه فقط.
خيركم خيركم لأهله
قال رسول الله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم». فكمال الإيمان ليس فى كثرة العبادة وحدها، بل فى حسن الخلق، وأعلى صور حسن الخلق: حسن المعاملة مع الزوجة والأسرة. وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالأسرة أول دائرة مسئولية، وأعظم حقوقها الحقوق النفسية والمعنوية قبل المادية.
وصية الإسلام بالمرأة
جاء الإسلام بتكريم المرأة تكريمًا غير مسبوق، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فكما تطلب من زوجتك حسن المعاشرة، فالواجب عليك أن تقدم لها مثل ذلك بالمعروف: فى الكلام، وفى الخلق، وفى اللين، وفى جبر الخاطر. وكان عبد الله بن عباس رضى الله عنهما يقول: «إنى لأتزين لزوجتى كما تتزين لي».
نماذج قرآنية فى تكريم المرأة
انظروا إلى تكريم القرآن لأم موسى، حين قال الله لها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ… إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وانظروا إلى تكريم مريم عليها السلام، وكيف رفع الله ذكرها، وجعلها نموذجًا للطهر والإيمان. وخلاصة المعنى أن رمضان شهر الأسرة، شهر رعاية المرأة، شهر حسن المعاشرة، شهر الذوق الرفيع، شهر الرحمة داخل البيوت، شهر إصلاح العلاقات، وشهر إعادة بناء الإنسان من الداخل.
أيها الإنسان الكريم: كل امرأة فى حياتك – أمًا كانت، أو زوجة، أو ابنة، أو أختًا، أو زميلة – هى أمانة، والتعامل معها باب من أبواب القرب من الله. نسأل الله جل جلاله أن يجعلنا أهل برٍّ وإحسان، وأهل رقى وذوق فى التعامل مع النساء عمومًا، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة والسكينة.










