الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حرب المدركات.. والفوز العظيم ورسائل الحسم

حرب المدركات.. والفوز العظيم ورسائل الحسم

داخل العقول.. هناك حرب من نوع خاص، تدور رحاها لتسبق أو تتزامن مع كل صراع مسلح يندلع فى هذا الكون الفسيح، الذى يضيق داخل الأذهان قبل المساحات الجيوسياسية.



تلك الحرب الأخطر هى المدركات التى تدور رحاها على ساحة الذهن، فى مساحة محدودة داخل جمجمة الفرد قائدًا كان أو مواطنًا، يناله من آثار كل ما يحيط به سلمًا أو حربًا.

الإدراك فى اللغة هو الوصول المعرفى والإحاطة الذهنية، واصطلاحا عرّفه الجرجانى مؤسس علم البلاغة، بالإحاطة بالشىء بكماله، والوقوف على صورة الشىء عند النفس الناطقة، وتمثل حقيقته دون حكم عليه بنفى أو إثبات ويسمى تصورًا ومع الحكم بأحدهما يسمى تصديقًا.

ولبلوغ التصورات درجة التصديق، ومن ثم بناء قناعات تدور معارك الحروب النفسية، وتنطلق أسلحة الشائعات، وتتنافس الآلة الإعلامية لأطراف الصراع، على ضخ السرديات، وبناء مدركات وقناعات لدى أكبر قطاع من الجمهور دوليًا كان أو سياسيا أو عامًا، طرفًا كان فى الصراع أو متأثرا بآثاره وانعكاساته دون صلة مُباشرة.

وفى الحرب الأمريكية الإيرانية، لعبت المدركات دورًا بالغ الخطورة قبل إطلاق النيران، داخل عقول قادة أمريكا وإسرائيل وإيران، فقدّر ثلاثتهم الموقف كلٌّ وفق تصوراته الخاطئة، فكان قرار الحرب المدمرة للجميع وللمنطقة.

ترامب بنى قراره على تصور خاطئ بأن ضربة واحدة تقضى على رأس النظام السياسى وبعض القادة العسكريين، وتكون كفيلة بإسقاط النظام الإيرانى وتحقيق الأهداف، بينما تصورت إسرائيل أنها يمكنها تحقيق أهدافها التوسعية بضربة خاطفة بشراكة أمريكية، فيما كان النظام الإيرانى يتصور أن بالإمكان استمرار المعارك فى ساحتها السياسية والاقتصادية دون الوصول إلى هذا الصراع الدامى المسلح الذى يشاهده العالم للأسبوع الثانى على التوالى، أو على الأقل بخسائر أقل.

وأمام شاشات التلفاز والهاتف كان جمهور من شعوب مختلفة، يراقب ولديه تصوراته، الناجمة عن تأثيرات خارجية تدركها الحواس الخمس، مما يُغرس فى العقول ويُلقى عليها من معلومات وأخبار لا يشترط دقتها وصدقها، وما يدور داخل النفس من مشاعر وأحاسيس تسهم فى بناء المدركات والانحيازات.

وهى الساحة الأخطر فى هذه المعركة، فالبعض يتعامل مع الحروب المدمرة، بمنطق مشجعى فرق كرة القدم، يتابع القصف المتبادل، ويهلل على مواقع التواصل لمن تميل مشاعره إليه، والأخطر من يتابعها بعقل الباحث عن تسلية تشغله.

وبين أولئك وهؤلاء، كثر المنجمون والمحللون غير المنطلقين من خبرة معرفية وحقائق معلوماتية، وبين المتصارعين على الاستقطاب الدينى مذهبيًا.. فتجد المتصهينين جهلًا أو عمدًا، والمشيدين يتمنون هزيمة إيران لأسباب مذهبية.

والحقيقة أن الذى يتمنى النيل من إيران وهزيمتها لتعصب مذهبى ضد نظامها الحاكم بكل سوءاته، يتجاهل أن المنتصر فى هذه الحالة- لا قدر الله- هو العدو الصهيونى، العدو الأخطر للأمة العربية، بأوهامه ومخططاته التوسعية، ولا يعى خطورة أن تنهار دولة بحجم إيران وأهميتها الجيوسياسية على هذا الإقليم المبتلى بثرواته، والآثار الخطيرة لأى دولة تتحول إلى فاشلة على محيطها.

وهنا الدور الأهم للساسة والخبراء العقلاء والعلماء لبناء وعى صادق لدى شعوب الدول العربية بحقيقة ما يجرى من صراع وتحليل أبعاده وسيناريوهاته وتأثيراته علميًا، وما ينبغى للأفراد والمجتمعات والحكومات اتخاذه من تدابير وإجراءات وقرارات.

وهذا ما تحملت مسئوليتى منه قبل أن أدعو الآخرين، فقدمنا وجبة معرفية فى العدد الماضى. وفى ذات المساحة من مقالى نبهت إلى أن مخطط إسرائيل هو إشعال حرب مذهبية «سنية- شيعية»، بين الدول العربية وإيران لاستنزاف قدرات الطرفين، لصالح أهداف الكيان التوسعية، وأن السبيل لإحباط ذلك المخطط هو أن تتجنب دول الخليج الانجرار إلى صراع هجومى، وتكتفى باتخاذ ما يلزم من إجراءات دفاعية لحماية سيادتها.

وبالفعل خرجت تصريحات عدة فى الأيام الماضية، يؤكدها الواقع تشير إلى أن الدول العربية الخليجية تدرك المخطط وتعمل على تفويت فرصة تحقيقه، ومحاولة تخفيف الآثار السلبية لهذه الحرب وخفض حدة تصاعدها.

الفوز العظيم 

المدركات الذهنية، قبل إحاطتها بالتحديات الاقليمية، ينبغى أن تغرس جذورها فى عمق تاريخ والوطن وتحدياته، وتضحياته والأثمان التى دفعت والدماء الطاهرة التى بذلت، للحفاظ على مصر عزيزة قوية موحدة، سالمة حدودًا ونسيجًا اجتماعيًا عصيا على الفتك به بما يحاك من مؤامرات وما يستجد من تحديات.

فى الندوة التثقيفية الـ 43 للقوات المسلحة المصرية، التى شرفت بحضورها، وهى من أهم الفعاليات التى تقدم جرعات معرفية، وتحوى رسائل دفاعية وسياسية حاسمة، جلست أرصد وألتقط تلك الرسائل، لطبيعة المناسبة «الاحتفال بيوم الشهيد والمحارب القديم»، والتوقيت حيث تزامن عيد الشهيد 9 مارس، مع حرب تدور رحاها فى المنطقة شنتها أمريكا والاحتلال الإسرائيلى على إيران.

الرسالة الأولى: الآية 111 من سورة التوبة، البيعة الربانية: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ  وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ  وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».. صدق الله العظيم.

ذلك هو الفوز العظيم، الشهادة فى سبيل الله والحق دفاعًا عن الوطن، هو الفوز العظيم، وعلى مدار تاريخ مصر قاتل أبطال فى سبيل الله دفاعًا عن الوطن والحق، وبذل الكثير منهم دماءهم وأرواحهم، فى سبيل حماية الوطن منذ القائد سقنن رع شهيد حرب تحرير مصر من الهكسوس فى مصر القديمة.

ومن سقنن رع إلى الشهيد عبدالمنعم رياض القائد العظيم الذى استشهد فى الخطوط الأمامية فى حرب الاستنزاف لتحرير سيناء من احتلال الكيان للصهيونى ٩ مارس 1969، فبات اليوم عيدًا تحتفل فيه مصر بشهدائها.

الآية القرآنية تلاها القارئ عمر على، وهو طفل نابغة قدمته «دولة التلاوة»، يتسق مع الرسالة الثانية البليغة للحفل ومفادها: أجيال هذا الوطن ممتدة متواصلة على ساحات الفداء والعلم والقوة الناعمة، دولة العلم والإيمان فبهما تُحمى الأوطان.

■ احتفت مصر والرئيس عبدالفتاح السيسى، بأسماء شهداء مصر من حرب الاستنزاف وانتصار العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973، وحتى العملية الشاملة حرب تطهير سيناء من الإرهاب.

■ الاحتفال شمل نماذج من مصابى العلميات الذين دفعوا من أجسادهم ثمن الحفاظ على أمن مصر واستقرارها.

■ الاحتفال تطرق لتضحيات وشهداء مصر منذ حرب 1948، مرورًا بـ 56 ثم 67، وصولًا لانتصار أكتوبر العظيم وتضحيات تطهير مصر من الإرهاب التى كلفت الدولة ماليًا 120 مليار دولار على مدار عشر سنوات، لكن تبقى نقطة دم البطل والشهيد هى الثمن الأغلى الذى ينبغى أن تحافظ عليه الأجيال بالبناء والتعمير.

■ أبناء الشهداء يواصلون تحقيق أحلامهم برعاية الدولة والرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى يشدد دائمًا على ضرورة مواصلة رعايتهم من قبل مؤسسات الدولة، وتقديم كل الدعم لهم، وفاءً لتضحيات شهداء الوطن.

 ابن الشهيد على الطريق فقد قدم الحفل نماذج لأبطال عدة رحلوا ليبقى الوطن، وأبناؤهم يواصلون العطاء فى القوات المسلحة والشرطة ومختلف مجالات البناء والتعمير، بينما ينتظر حمزة أحمد المنسى عبور الثانوية العامة للالتحاق بالكلية الحربية، ليواصل ما بدأه والده الشهيد بطل معركة تحرير سيناء.

■ الرسالة.. مصر أجيال تلى أجيالًا لا يتوقف العطاء ولا التضحية، فى معارك حماية الوطن، ويظل الوعى والمدركات الصحيحة هى أساس الاستقرار والتعمير.. الشهداء فى ضمير الوطن.. وابناؤهم فى القلب.

■ الجاهزية.. قدرتنا الشاملة جاهزة لردع أى عدوان، قبل التفكير فيه «لا مفاجئ» عبارة بالغة الأهمية وواقع قائم على تقديرات للموقف الدولى والإقليمى واتخاذ كل الإجراءات الاستباقية، فقد تم تعزيز القدرة الشاملة للدولة، وفى القلب منها قدرة الردع العسكرى واليوم يحيل الواقع إلى تساؤلات البعض عن سر شراء السلاح فى سنوات تعزيز القدرة.

الرسائل السياسية 

تضمنت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى العديد من الرسائل السياسية بالغة الأهمية:

-1 مصر بذلت جهودا لمنع اندلاع الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وهى جهود صادقة مخلصة مستنيرة تنطلق من تقديرات دقيقة لخطورة الصراع المسلح ومآلاته وتداعياته السياسية والأمنية والإنسانية.

-2 تواصل مصر جهودها لخفض التصعيد والعودة للحلول السياسية والدبلوماسية «إعطاء الفرصة لوقف الحرب.. والتسويات السلمية، فلا تسويات دون حوار. ولا حلول دون تفاوض.. ولا سلام دون تفاهم يضمن الأمن ويصون المقدرات ويحمى الشعوب من ويلات الحروب». 

-3 مصر ترفض العدوان على دول الخليج الشقيقة بأى مبررات وتدعمها فى حماية سيادتها.

-4 تتمسك مصر بمواقفها الراسخة، دعمًا للقضية الفلسطينية جوهر الصراع فى المنطقة «لا سلام بلا عدل ولا استقرار فى المنطقة بدون دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية». 

-5 ترفض مصر رفضًا قاطعًا محاولات تهجير الشعب الفلسطينى من أرضه، فهذا خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه أبدًا.

-6 تحذر مصر من محاولات إشعال الفتن فى حوض النيل والقرن الإفريقى، فهذه مغامرات بالغة الخطورة ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها ولن يكون أى طرف بمنأى عن آثارها.

-7 علاقة مصر بدول حوض النيل الشقيقة قائمة على التعاون والتكامل ولن تسمح لصراعات عبثية تهدد حاضرها ومستقبلها. 

وهى رسائل شديدة الأهمية تعكس تقدير مصر للموقف وإحاطتها بما يحاك من دسائس ومؤامرات ومحاولات العدو الصهيونى لإثارة الفتن فى الإقليم وأدواته الخبيثة لتدمير المنطقة. 

فى مواجهة التحديات تتخذ مصر كل الإجراءات الاستثنائية والاستباقية للحفاظ على استقرار الوطن وقدراته الشاملة، وخفض آثار الصراع الإقليمى الاقتصادية على الشعب.

حفظ الله مصر آمنة مستقرة