د.عزة بدر
الإنشاد القصصى بين الدينى والاجتماعى
اعتمد القصص الدينى لدى المنشدين على قصص المعجزات النبوية مثل قصة الإسراء والمعراج، وقصة انشقاق القمر، وكان المنشدون ينشدون هذه القصص فى حلقات الذكر واجتماعات الصوفية، فهل مازال المنشدون يتغنون بها؟
هذا هو السؤال الذى يعيدنا إلى الطرح المهم، إلى أى مدى أمكننا الاستفادة من إمكانيات التراث فى تطوير الأدب الشعبى؟، وهل انحسر أداء المنشدين للقصة الدينية فى المناسبات الاجتماعية التى كانت تُقال فيها.
كل هذه الأسئلة لها إجابات دقيقة فى كتاب بعنوان «ملامح التغيير فى القصص الشعبى الغنائى»، للدكتور إبراهيم عبدالحافظ فهو يقول: «الإبداع الشعبى يرتكز على التراث، ويبنى عليه الجديد، عن طريق تطويعه، وصياغته وفق الحاجات الجديدة، وهو يتأثر بالتغيير الاقتصادى والاجتماعى والثقافى.
ومن هنا رصد انحسار عدد من الأنواع القصصية، وذلك من خلال دراسته لمجموعة من النصوص، وأداء مجموعة من المنشدين فى محافظة الغربية كإحدى محافظات الدلتا، حيث يكثر فيها القصص الغنائى، ورواتها.
وذهب إلى أن إنشاد القصص الدينى اقتصر على مولد النبى صل الله عليه وسلم، وموالد الأولياء، وبعض المناسبات الأخرى مثل الأفراح، والليالى التى قل أداء القصص فيها إلى حد بعيد كما رصد لجوء المنشد إلى السرد ليُدخل تعليقاته الخاصة، ويشرح ويفسر النص، ويجمع بين السرد والغناء.
ومن أهم قصص الإنشاد الدينى قصص المعجزات النبوية مثل قصة «الإسراء والمعراج»، وقصة «انشقاق القمر».
ويذكر إبراهيم عبدالحافظ أن أقدم نظم لقصة الإسراء والمعراج سجله المستشرق الفرنسى «بوريان» من أحد المغنيين الجوالين بالقاهرة فى نهاية القرن الماضى، أما قصة «انشقاق القمر» التى تداولها المنشدون بوصفها معجزة فهى ترتكز على أساس قرآنى هو الآيات «اقتربت الساعة والنشق القمر»، كما جاءت القصة فى الحديث النبوى بروايات ثلاث:
عن عبدالله بن مسعود، ومالك بن أنس، وابن عباس، فعن ابن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، انشق إلى شقين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”اشهدوا”
كما ورد ذكر هذه المعجزة عند الأصفهانى وجلال الدين السيوطى وعند القاضى عيّاض، لكن هذه المصادر لا تذكر لنا التفاصيل كما تفصلها القصة الشعبية، والمخيال الشعبى الذى يصوِّر دخول القمر من كمىّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وخروجه منهما.
ويؤكد عبدالحافظ فى كتابه أن القصص الدينى قبل عام 1959 كان يعتمد على قصص التراث الدينى الإسلامى، وكان يتم الإنشاد فى حلقات الذكر واجتماعات الصوفية، لكن شهدت الخمسينيات أول ظهور للقصص الحديث بمصاحبة الآلات الموسيقية، وكان يُصاغ فى قالب الزجل المُطعم بالمواويل، ومن هذه القصص: قصص الأنبياء، مثل قصة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل، وقصة أيوب لما ابتلى.
ولم يقتصر مجال الإنشاد على الشيوخ الرجال، ولكن كان هناك بعض المنشدات ومنهن الشيخة هنايات شعبان، والشيخة سمية عبدالعليم من محافظة الغربية، ولقبت بسيدة الإنشاد الدينى، ولا تختلف طريقتها فى الإنشاد عن الرجال المنشدين، سوى أنها تكثر من أغانى أم كلثوم.
ومن أهم المناسبات التى كانت تُنشد فيها القصص الدينى: المولد النبوى والذى يمتد الاحتفال به من شهر ربيع الأول، وحتى شهر ربيع الثانى، ومناسبات أخرى مثل موالد الأولياء فى المدن والقرى، وفى ذكرى الإسراء والمعراج، والهجرة النبوية وهناك مناسبات أخرى غير دينية يتم فيها الإنشاد مثل الاحتفال بأداء نذور، أو نجاح الأبناء أو شفاء من مرض، أو احتفال بمولود، أو فك كُربة وكان أسلوب حكاية قصص السيرة النبوية يتم بأسلوب نثرى فيه سجع مثل: «الحمد لله الذى أنار الوجود بطلعة خير البرية / سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فخر الهداية وكوكب العناية الربانية».
ويذكر الباحث أن د.حافظ دياب فى كتابه «إبداعية الأداء فى السيرة الشعبية»، فأشار إلى أساليب أداء السيرة المروية فى الدلتا مثل تقديمها فى شكل الموال الذى يجنح المؤدون إلى تنويعه ما بين الموال الأخضر الذى يُستمد من مواقف الحب، والأحمر الذى يستوعب مواقف الحرب والنزال، والأبيض فى أشكال متنوعة، أما الأسلوب الثانى فكان يقدم السيرة فى شكل القصيدة العربية القديمة التى يقطعها بعض السرد النثرى المسجوع.
وثالثها: الأسلوب الهجين، الذى يقدم السيرة فى شكل الشعر الحر، حيث يستقل كل بيت بقوافيه على حدة، أو يطول ويقصر حسب الحال، ولضرورات المعنى.
ومن أهم ما رصده عبدالحافظ ظاهرة تحول القصص الغنائى من المصدر الدينى الخالص إلى الواقع الاجتماعى وأن هذه القصص حاولت أن تملأ الفراغ الذى أحدثه انحسار رواية السيرة، وهذه القصص تقدم خطابًا مضفورًا بالخطاب الدينى.
ومبدعو هذه القصص تأثروا بالشكل الفنى لقصص الأنبياء والأولياء بوصفها مصدرًا مهمًا من مصادرهم، وأول من أبدع هذا النمط هو الشيخ محمد على سرية.
كما يرصد عبدالحافظ تأثر الموروث الشفاهى من القصص الدينى والشعبى بالتحول نحو الكتابة فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى بعد إنشاء المدارس والاهتمام بالتعليم، فتحول الاهتمام من الاعتماد على الشفاهية الخالصة إلى النصوص المكتوبة مسبقًا مما جعل الرواة يعتمدون على هذه النصوص، وأدى ذلك إلى قلة الاعتماد على الشخصيات الشهيرة تاريخيًا، والأبطال العظام والاتجاه إلى تناول الحياة الاجتماعية المألوفة فيستقى منها المنشد أو الراوى أبطاله، فاندثر القصص التقليدى، وبدأ المنشدون ينشدون قصصًا قاموا بتأليفها، أو ألفها شخص آخر لهم.
فأفسح القصص الدينى مجالًا للقصص الاجتماعى لكى يظهر إلى جواره، بل يقلل من روايته إلى حد ما.
وبعدما كان المبدع الشعبى يعتمد على التراث الدينى والقصص الدينى اتجه إلى قصص الحياة الاجتماعية التى تتناول العلاقات الأسرية، والقيم الأخلاقية، فقد تحَّول المحفوظ الأدبى خاصة لدى كبار السن من المنشدين من الدينى إلى الاجتماعى، أما صغار السن من المنشدين فلا يكادون يحفظون قصصًا دينيًا!، ولكن القصص الاجتماعية التى ينشدها المنشدون تحتوى على مجموعة من القيم النابعة من المجتمع الشعبى مثل القناعة، والصبر، ورعاية اليتيم، وتجنب الظلم، وطاعة الوالدين، والأمانة.
ولكن تبقى الحصيلة الأدبية غير القصصية المتمثلة فى المواويل والأغانى الدينية فى المدائح النبوية، وفى بعض المواويل، والقصائد الصوفية فإنها تعد قاسمًا مشتركًا مستمرًا لديهم جميعًا حيث يُطعمون به قصصهم أو يفتتحون به الليالى والاحتفالات.










