محمد سعيد هاشم
دبلوماسية تحمي المصالح الوطنية وتحقق التوازن الإقليمى
تزامن احتفال الدولة المصرية هذا العام بيومها الدبلوماسي مع مناسبة استثنائية بكل المقاييس، إذ تمر مائتا عام على تدشين أول ديوان للشئون الخارجية في عهد محمد علي باشا عام 1826. وهذه الذكرى لا تمثل مجرد محطة زمنية في سجل التاريخ، بقدر ما تعكس عمق مدرسة دبلوماسية عريقة ظلت على مدى قرنين كاملين أحد أهم أدوات الدولة المصرية في حماية مصالحها وصون أمنها القومي. فمنذ اللحظة الأولى لتأسيسها، لم تكن الدبلوماسية المصرية مجرد جهاز إداري لإدارة العلاقات الخارجية، بل كانت ــ ولا تزال ــ خط الدفاع الأول عن الدولة، وصوتها العاقل في عالم شديد الاضطراب.
وفي قلب هذه اللحظة التاريخية، يبرز الدور الذي تقوم به وزارة الخارجية المصرية بقيادة الوزير د. بدر عبد العاطي، الذي تولى حقيبة الدبلوماسية في ظرف إقليمي ودولي شديد التعقيد، لكنه استطاع في وقت قصير أن يعيد التأكيد على ثوابت المدرسة الدبلوماسية المصرية، وفي مقدمتها مبدأ الندية في العلاقات الدولية والتمسك الصارم بسيادة الدولة وكرامتها.
لقد قدم د. بدر نموذجًا واضحًا للدبلوماسي الذي يدرك جيدًا أن قوة الدبلوماسية لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الملفات السياسية، وإنما أيضًا بقدرتها على الدفاع عن هيبة الدولة ومكانتها.
ومن هنا جاء تبني مبدأ المعاملة بالمثل كإطار حاكم للتعامل مع أي تجاوزات أو ممارسات تمس كرامة الدولة المصرية في الخارج.. فحين شهدت بعض العواصم الأوروبية مظاهرات أو ممارسات استفزازية أمام السفارات المصرية دون تحرك كافٍ لحمايتها، جاء الرد المصري هادئاً في أسلوبه، لكنه واضح في رسالته... فقد قررت وزارة الخارجية تطبيق قاعدة بسيطة في العلاقات الدولية: أمن سفاراتنا في عواصمكم يقابله أمن سفاراتكم في عاصمتنا.
ولم يكن هذا الموقف مجرد إعلان سياسي، بل تُرجم إلى إجراءات عملية، كان أبرزها إعادة فتح الشوارع والمحاور المرورية التي ظلت مغلقة لسنوات في محيط بعض السفارات الأجنبية بالقاهرة، في خطوة حملت رسالة دبلوماسية بالغة الوضوح أن العلاقات بين الدول تقوم على الاحترام المتبادل، ولا يمكن أن تستقيم في ظل اختلال هذا التوازن.
لقد أعاد هذا الموقف إلى الدبلوماسية المصرية ملمحًا مهمًا من ملامح شخصيتها التاريخية، وهي القدرة على الجمع بين الحكمة والصرامة في آن واحد.... فمصر، بحكم تاريخها ومكانتها، لم تكن يومًا دولة تبحث عن الصدام، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن تُدار علاقاتها الخارجية على حساب كرامتها الوطنية.
ولعل هذا النهج بدا أكثر وضوحًا في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وهو ملف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة... ففي ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتضارب المواقف الدولية، لعبت الدبلوماسية المصرية دورًا محوريًا في تثبيت الرؤية المصرية تجاه القضية الفلسطينية، رافضة بشكل قاطع أي محاولات لفرض حلول تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو تمس الأمن القومي المصري.
وفي هذا السياق، قادت القاهرة تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا على مختلف المستويات، واضعة المجتمع الدولي أمام مسئولياته الإنسانية والسياسية... وقد أسهمت هذه الجهود في إعادة التأكيد على الدور المصري التاريخي كوسيط رئيسي في قضايا المنطقة، وكطرف قادر على إدارة التوازنات الدقيقة بين القوى الدولية والإقليمية.
ومن خلال هذا التحرك النشط، نجحت الدبلوماسية المصرية في نقل موقعها من مجرد الدفاع عن موقفها إلى موقع المبادرة وصناعة التوازن، مستندة إلى رؤية واضحة تعتبر أن استقرار غزة واستقرار المنطقة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي العربي.
ولا يمكن الحديث عن الأداء الدبلوماسي في هذه المرحلة دون الإشارة إلى النشاط المكثف الذي قام به وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي على الساحة الدولية... فقد شهدت الأشهر الماضية تحركات دبلوماسية واسعة شملت العواصم العربية والإفريقية والدولية، في مسعى لتعزيز شبكة العلاقات الاستراتيجية لمصر.
ففي الخليج العربي، عملت القاهرة على تعميق التنسيق السياسي والاقتصادي مع الدول الشقيقة، بما يعزز وحدة الموقف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية.
وفي القارة الإفريقية، استعادت الدبلوماسية المصرية حضورها النشط، مؤكدة أن مصر ليست فقط دولة إفريقية بحكم الجغرافيا، بل شريك تنموي يسعى إلى دعم الاستقرار والتعاون في القارة.
كما شهدت العلاقات مع القوى الدولية الكبرى والقوى الصاعدة تطورًا ملحوظًا، في إطار رؤية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز استقلالية القرار الوطني.
إن ما يميز هذه المرحلة في مسار الدبلوماسية المصرية هو قدرتها على الجمع بين الخبرة التاريخية والمرونة السياسية. .. فبعد قرنين من العمل الدبلوماسي المتواصل، ما زالت المدرسة المصرية قادرة على تجديد أدواتها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابتها الأساسية.
وفي ذكرى مرور مائتي عام على تأسيس أول ديوان للشئون الخارجية، تبدو وزارة الخارجية المصرية وكأنها تعيد تأكيد دورها التاريخي كإحدى أهم مؤسسات الدولة السيادية... فهي ليست مجرد قناة للتواصل مع العالم، بل ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي، وواجهة تعكس قوة الدولة وتوازنها.
لقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية المصرية حين تتحرك بثقة وإدراك لتاريخها ومكانتها، فإنها تملك القدرة على التأثير وصناعة التوازنات... وهذا ما نراه اليوم في الأداء الذي يجمع بين صوت العقل حين تتطلب اللحظة الحكمة، واليد الحازمة حين تستدعي الكرامة الوطنية موقفًا واضحًا.
وهكذا، في لحظة تحتفي فيها مصر بتاريخها الدبلوماسي الممتد لقرنين، يبدو أن وزارة الخارجية تواصل أداء دورها التقليدي بوصفها حارسًا لمصالح الدولة، وحاملًا لرايتها في عالم لا يعترف إلا بالدول التي تعرف كيف تدافع عن مصالحها بثقة وندية.










