مصر تفتح مستودعات موانئ البحر الأحمر أمام الشركات العالمية وتخطط للتحول إلى مركز إقليمى للطاقة
هيثم يونس
فى خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتحويل مصر إلى مركز إقليمى لتجارة وتداول الطاقة، أعلنت الحكومة المصرية طرح 10 مستودعات لتخزين النفط فى ميناءى العين السخنة ورأس بدران على البحر الأحمر بنظام الإيجار، فى محاولة لجذب كبريات شركات النفط العالمية للاستفادة من الطاقة التخزينية المتاحة فى الموانئ المصرية.
توقيت حساس فى ظل التوترات الإقليمية
تأتى هذه الخطوة فى وقت بالغ الأهمية، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية فى منطقة الخليج، خاصة فى مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، الذى يمر عبره نحو ربع تجارة النفط بحراً، إضافة إلى نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعى المسال عالميًا، وقد أدت هذه التوترات إلى اضطرابات فى حركة الشحن وإعادة ترتيب مسارات تدفقات الطاقة الدولية، ما يجعل تعزيز قدرات التخزين المحلية أمر ضرورى لضمان استقرار الإمدادات.
استغلال الطاقة التخزينية الفائضة
يستهدف الطرح الجديد جذب شركات تجارة ونقل وتخزين النفط العالمية للاستفادة من الطاقة التخزينية الفائضة لدى مصر، والتى تُقدَّر بنحو 29 مليون برميل فى الموانئ الرئيسية. ويتيح نظام الاستئجار المرونة التشغيلية للشركات، حيث يمكن استئجار المستودعات شهريًا أو سنويًا وفقًا للعروض المقدمة، ما يعزز جاذبية الموانئ المصرية كمراكز لوجيستية مهمة لتجارة الطاقة فى المنطقة.
بنية تحتية قوية لدعم الطموحات
يعكس هذا الطرح التطور الكبير فى البنية التحتية للطاقة فى مصر خلال السنوات الأخيرة، إذ تمتلك البلاد حاليًا 19 ميناءً و79 مستودعًا بتروليًا بتكلفة استثمارية نحو 2.35 مليار جنيه. وقد تم إنشاء هذه المستودعات لتعزيز المخزون الاستراتيجى من المنتجات البترولية وضمان استقرار الإمدادات للسوق المحلية، إلى جانب دعم دور مصر كمركز إقليمى لتجارة الطاقة. هذه القدرات تمنح مصر ميزة تنافسية فى منطقة تشهد تغييرات متسارعة فى خريطة إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع الحاجة المتزايدة إلى مراكز تخزين قريبة من خطوط الملاحة الدولية. البحر الأحمر.. ممر بديل للطاقة تزداد أهمية البحر الأحمر كممر بديل لتدفقات النفط والغاز، فى ظل التحديات التى تواجه حركة الشحن عبر الخليج العربي. وقد بدأت بعض الشركات النفطية بالفعل فى إعادة تنظيم مسارات شحناتها لتأمين الإمدادات، مثل أرامكو السعودية التى أعادت ترتيب جزء من شحنات النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لضمان استمرار تدفق الإمدادات إلى عملائها عالمياً.
فرصة لتعزيز الدور المصرى فى تجارة الطاقة
ويرى خبراء الطاقة أن طرح المستودعات للإيجار يمثل خطوة ذكية لاستثمار البنية التحتية المتطورة فى مصر، وتعزيز مكانتها كمحور لوجستى مهم فى تجارة الطاقة العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافى الاستراتيجى الذى يربط بين البحر الأحمر والمتوسط، وقربها من أهم طرق التجارة والطاقة فى العالم. وأكد خبراء الطاقة والاقتصاد أن هذه الخطوة تعكس ثقة الدولة فى قدراتها اللوجستية والبنية التحتية المتقدمة على سواحل البحر الأحمر وخليج السويس، وتعزز دور مصر كمركز إقليمى للطاقة فى الشرق الأوسط.
تعظيم الاستفادة من البنية التحتية أوضح الدكتور جمال القليوبى، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن إتاحة المستودعات للشركات يأتى فى إطار تعظيم الاستفادة من الإمكانات اللوجستية والبنية التحتية المطورة خلال السنوات الماضية، لا سيما فى الموانئ الحيوية.
وأضاف أن هذه المستودعات تتيح للشركات تخزين المنتجات البترولية مثل المازوت والكيروسين، والتى تدخل فى الصناعات التحويلية والكيماوية، وتمنح مرونة أكبر فى إدارة العمليات خلال تقلبات الأسعار العالمية.
وأشار القليوبى إلى أن قطاع البترول فى مصر يعمل وفق منظومة تنظيمية واضحة، حيث تضطلع الهيئة المصرية العامة للبترول بدور محورى فى إدارة الاستيراد وتأمين المنتجات البترولية للسوق المحلية بالتعاون مع شركاء القطاع، موضحًا أن فتح المستودعات للشركات لا يغير آليات الاستيراد، بل يقدم خدمات لوجيستية واستثمارية متطورة.
بدوره، أكد الدكتور محمد البهواشى، الخبير الاقتصادى، أن الموقع الجغرافى لمصر يمنحها ميزة تنافسية كبيرة، إذ تقع على مفترق طرق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وقربها من أهم الممرات الملاحية الدولية يتيح فرصًا واسعة لتخزين وإعادة توزيع المنتجات البترولية.
وأضاف إن تطوير مرافق التخزين على البحر الأحمر وخليج السويس يتيح جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور مصر كمحور إقليمى لتجارة الطاقة والخدمات اللوجيستية المرتبطة بها.
وأشار البهواشى إلى أن هذه الخطوة لا تمثل فرصة استثمارية فحسب، بل تحمل دلالات اقتصادية أعمق، حيث تعكس ثقة الدولة فى بنيتها التحتية وقدرتها على تقديم خدمات التخزين والتداول وإعادة التصدير للشركات الإقليمية والدولية.
استثمار الفرص المستقبلية والشراكات العالمية
وأوضح أن تطوير شبكة الموانئ والمنشآت البترولية يفتح المجال لشراكات جديدة بين الشركات العالمية والقطاع البترولى المصرى، بما يدعم خطط الدولة لتنمية هذا القطاع الحيوى وزيادة مساهمته فى الاقتصاد الوطنى، ويعزز من قدرة مصر على جذب الاستثمارات الدولية، وجعلها نقطة ارتكاز رئيسية فى منظومة تجارة الطاقة فى المنطقة، خاصة مع الطلب المتزايد عالميًا على خدمات التخزين والنقل والتداول.






