الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

زيارات فى توقيت استثنائى.. رسائل قوة وطمأنة من القاهرة إلى عواصم الخليج

فى توقيت إقليمى بالغ التعقيد، تتصاعد فيه حدة الاشتباكات، وتتداخل فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية، جاءت التحركات المكوكية للرئيس عبد الفتاح السيسى نحو دول الخليج كتحرك استثنائى فى توقيته، وعميق فى دلالاته، حاملًا رسائل سياسية وأمنية واضحة تعكس ثبات الرؤية المصرية، ووضوح عقيدتها الاستراتيجية القائمة على أن الأمن القومى العربى كلٌ لا يتجزأ، وأن استقرار الخليج يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصرى.



وأكدت قيادات حزبية وخبراء فى الشأن السياسى، فى تصريحات خاصة لـجريدة «روز اليوسف»، أن هذه التحركات جاءت فى ظل أجواء إقليمية مشتعلة، لتحمل رسائل مزدوجة تجمع بين الطمأنة والردع فى آن واحد، وتؤكد أن مصر لا تكتفى بإعلان المواقف، بل تتحرك فعليًا لتأمين محيطها العربى وتعزيز تماسكه فى مواجهة التحديات المتصاعدة.

فى هذا الإطار، أكد الدكتور مختار غباشى، الأمين العام لمركز الفارابى للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن التحركات المكثفة التى قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى تجاه دول الخليج جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، وتحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، تعكس إدراكًا مصريًا دقيقًا لطبيعة التحديات التى تواجه المنطقة. وأوضح أن هذه الزيارات المكوكية تؤكد أن مصر تمثل السند الحقيقى للأشقاء العرب، وتتحرك وفق رؤية واضحة تعتبر أن الأمن القومى العربى كلٌ لا يتجزأ.

وأشار إلى أن الهدف الأول من هذه الزيارات يتمثل فى توجيه رسالة طمأنة لدول الخليج، ليس فقط على المستوى السياسى، بل أيضًا على المستويين الأمنى والعسكرى، لافتًا إلى أن تأمين المجال الجوى وتحركات القيادة السياسية المصرية فى ظل أجواء مشتعلة يعكس مستوى عاليًا من التنسيق والجاهزية، ويؤكد الثقة فى القدرات المصرية. كما شدد على أن الرسالة الأهم من هذه الجولة هى أن مصر دولة قوية، تتحرك بثقة ووعى، وتدير ملفاتها الإقليمية بكفاءة، وأن القيادة السياسية تدرك جيدًا طبيعة المرحلة، وتوجه رسائل واضحة إلى الداخل والخارج بأن القاهرة حاضرة وفاعلة وقادرة على حماية مصالحها ومساندة أشقائها.

وأضاف أن مسار الأحداث فى المنطقة يفرض تساؤلات جوهرية حول مستقبل التوازنات الإقليمية، موضحًا أنه فى حال انتهاء الصراعات الراهنة دون حسم واضح، فإن ذلك قد يمنح بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، مساحة أكبر لتعزيز نفوذها، وهو ما يستدعى تحركًا عربيًا أكثر تماسكًا وفاعلية، وإعادة صياغة شاملة لمفهوم الأمن القومى العربى، بما يضمن حماية مقدرات الدول العربية وصون استقرارها بعيدًا عن أى رهانات خارجية، مع تعزيز العمل العربى المشترك كخيار استراتيجى لا بديل عنه.

ولفت غباشى إلى أن منظومة الأمن الإقليمى العربى تعانى من خلل واضح، خاصة فى ظل الاعتماد التقليدى على القواعد الأجنبية، التى ثبت أنها لا تمثل ضمانًا كافيًا لحماية استقرار المنطقة، مؤكدًا أن تحقيق الأمن الحقيقى لا يمكن أن يتم إلا من خلال منظومة عربية خالصة تقوم على التنسيق والتكامل بين الدول العربية.

من جانبه، أكد الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن الزيارات المكوكية التى قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى عدد من دول الخليج تعكس إدراكًا مصريًا عميقًا لحساسية المرحلة التى تمر بها المنطقة، فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية واشتداد وتيرة الاشتباكات، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تحمل رسالة واضحة مفادها أن مصر تتحرك بمسئولية الدولة المركزية فى الإقليم، وتضع أمن واستقرار الأشقاء فى مقدمة أولوياتها، حتى فى التوقيتات التى تتسم بخصوصية رمزية ودينية.

وأوضح أن أحد أبرز مدلولات هذه الزيارات يتمثل فى التنسيق المشترك لتأمين المجال الجوى للدول التى تواجه تحديات أمنية، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التعاون العسكرى والأمنى العربى، ويؤكد وجود إدراك جماعى بخطورة المرحلة، وضرورة التحرك الاستباقى لمواجهة أى تهديدات محتملة.

وأشار فرحات إلى أن التحركات المصرية تعيد التأكيد على مبدأ راسخ فى السياسة الخارجية، وهو أن الأمن القومى العربى كلٌ لا يتجزأ، وأن أى تهديد لأمن دولة عربية يمثل تهديدًا مباشرًا لباقى الدول، وهو ما يفرض تنسيقًا مستمرًا وتضامنًا فعالًا يتجاوز حدود البيانات إلى آليات عمل مشتركة على الأرض. كما أكد أن مصر، بقيادتها السياسية، تمثل «صمام أمان» للاستقرار الإقليمى، ليس فقط من خلال الدعم السياسى، بل عبر تحركات عملية تسهم فى الحد من التصعيد وتعزيز الاستقرار.

بدوره، أشاد النائب علاء عبد النبى، وكيل لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ، بالتحركات الدبلوماسية المكثفة التى يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسى، والتى شملت زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية ولقائه مع الأمير محمد بن سلمان، مؤكدًا أنها جاءت فى توقيت بالغ الحساسية لحماية المنطقة من مخاطر التصعيد.

وأوضح عبد النبى أن تأكيدات الرئيس السيسى فى جدة بشأن الرفض القاطع لأى تهديد يمس أمن دول الخليج تعكس عقيدة الدولة المصرية الراسخة التى تعتبر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، مشيرًا إلى أن إدانة مصر للهجمات التى استهدفت المملكة تبعث برسائل طمأنة واضحة للأشقاء، وتحمل فى الوقت ذاته رسائل ردع قوية لكل من يحاول زعزعة استقرار المنطقة.

وأضاف أن التنسيق المصرى الخليجى يمثل حائط الصد الأول فى مواجهة التحديات الراهنة، مؤكدًا أن قوة العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة والرياض تمثل ضمانة أساسية للحفاظ على الأمن القومى العربى، وحماية المقدرات الاقتصادية والأمنية لشعوب المنطقة فى ظل التوترات المتصاعدة.

من جهته، أكد ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل الديمقراطى وعضو مجلس الشيوخ، أن جولة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى دول الخليج العربى فى هذا التوقيت الدقيق تعكس قراءة استراتيجية واعية لطبيعة التحولات المتسارعة التى تشهدها المنطقة، وما تفرضه من تحديات غير مسبوقة على منظومة الأمن القومى العربى، فى ظل محاولات إعادة تشكيل الإقليم بما يخدم مصالح قوى خارجية.

وأشار إلى أن هذه الزيارات تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، باعتبارها ركيزة أساسية فى معادلة الأمن العربى، موضحًا أن التنسيق المصرى السعودى لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لبناء موقف عربى صلب ومتماسك، قادر على التصدى للتحديات الراهنة وصون استقرار المنطقة.

وأضاف الشهابى أن هذه الجولة تتجاوز الإطار البروتوكولى، لتشكل تحركًا سياسيًا محسوبًا بدقة يستهدف إعادة صياغة التوازنات الإقليمية على أسس تحفظ المصالح العربية، وتدفع نحو توحيد الصف فى مواجهة التهديدات المركبة، سواء على الصعيد العسكرى أو الاقتصادى أو السياسى.

وأكد أن تحركات الرئيس السيسى تحمل رسائل حاسمة، فى مقدمتها التأكيد على وحدة المصير بين مصر ودول الخليج، وأن أمن الخليج امتداد مباشر للأمن القومى المصرى، إلى جانب توجيه رسالة ردع واضحة لكل من يسعى لزعزعة استقرار الدول العربية، فضلًا عن التأكيد على قدرة الدول العربية على إدارة شئونها بعيدًا عن أى تدخلات خارجية.

واختتم الشهابى تصريحاته بالتأكيد على أن هذه الجولة تعكس استعادة مصر لدورها القيادى والتاريخى فى العمل العربى المشترك، مشددًا على أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتكامل العربى لمواجهة التحديات المتفاقمة، وأن هذه التحركات تمثل خطوة متقدمة نحو بناء جبهة عربية متماسكة قادرة على حماية الأمن القومى العربى وترسيخ استقرار المنطقة.