السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مستقبل واعد للطاقة المصرية

اكتشافات بترولية جديدة.. وعودة الشركات العالمية

فى خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا فى إدارة ملف الطاقة، وتأكيدًا على جدية الدولة فى تعزيز مناخ الاستثمار، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية عن نجاح شركة أباتشى، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للبترول، فى تحقيق كشف جديد للغاز الطبيعى بالصحراء الغربية، وذلك عقب حفر البئر الاستكشافية SKAL-1X بمنطقة جنوب كلابشة، بمعدلات إنتاج أولية تبلغ نحو 26 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا و2700 برميل من المتكثفات.



يأتى هذا الكشف تتويجًا مباشرًا لجهود الدولة فى تحفيز الاستثمار بقطاع البترول، والتى تزامنت مع تحركات متسارعة لإغلاق ملف مستحقات الشركاء الأجانب، حيث أعلن المهندس كريم بدوى، وزير البترول والثروة المعدنية، عن اقتراب الانتهاء الكامل من تسوية هذه المستحقات بنهاية يونيو المقبل، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية، فى مسار يعيد رسم خريطة الثقة بين مصر وشركائها الدوليين.

لا يُعد الكشف الجديد مجرد إضافة رقمية للإنتاج، بل يمثل دليلًا عمليًا على فاعلية الحوافز التى أقرتها الوزارة، والتى شجعت شركة أباتشى على التوسع فى أنشطة البحث والاستكشاف، خاصة فى المناطق الجديدة القريبة من امتيازاتها الحالية، بما يحقق كفاءة اقتصادية أعلى من خلال الاستفادة من البنية التحتية القائمة وخفض تكاليف التنمية.

ومن شأن هذا النهج أن يسرّع من وضع الاكتشافات الجديدة على خريطة الإنتاج، بما يسهم فى تعويض التناقص الطبيعى للحقول القديمة، وتقليل الفاتورة الاستيرادية، خاصة فى ظل تنامى الطلب المحلى على الطاقة.

ويرى خبراء الطاقة أن هذه التطورات تمثل نقطة انطلاق حقيقية نحو طفرة مرتقبة فى قطاع البترول والغاز، مدفوعة باستعادة الثقة، وزيادة الاستثمارات، وتكثيف عمليات البحث والاستكشاف، بما يعزز من فرص تحقيق الاكتفاء الذاتى تدريجيًا، ويدعم طموحات مصر فى التحول إلى مركز إقليمى للطاقة.

تراجع قياسى فى المستحقات

الأرقام تعكس حجم التحول الكبير؛ إذ نجحت وزارة البترول فى خفض مستحقات الشركاء الأجانب من نحو 6.1 مليار دولار فى يونيو 2024 إلى نحو 1.3 مليار دولار فقط حاليًا، بنسبة تراجع تقارب %80.

هذا الانخفاض اللافت لم يأتِ مصادفة، بل كان نتيجة خطة متكاملة اعتمدت على السداد المنتظم، وإجراءات تحفيزية مدروسة، وتنسيق وثيق مع مؤسسات الدولة الاقتصادية.

وفى هذا السياق، لعبت الحكومة بقيادة الدكتور مصطفى مدبولى دورًا محوريًا، بالتعاون مع البنك المركزى ووزارة المالية، فى معالجة هذا الملف الذى ظل لسنوات يمثل تحديًا رئيسيًا أمام جذب الاستثمارات الأجنبية فى قطاع الطاقة.

لم تكتفِ الدولة بخفض المستحقات، بل حرصت بالتوازى على الالتزام الكامل بسداد الفاتورة الشهرية لشركاء الإنتاج، وهو ما أعاد بناء جسور الثقة التى تأثرت خلال فترات سابقة نتيجة التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية.

هذا الانتظام فى السداد بعث برسائل إيجابية للشركات العالمية، مفادها أن السوق المصرية أصبحت أكثر استقرارًا وقدرة على الوفاء بالتزاماتها، وهو ما انعكس سريعًا فى عودة النشاط الاستثمارى بقوة.

من التباطؤ إلى الانطلاق

شهد قطاع البترول خلال الأعوام الماضية تباطؤًا نسبيًا فى الاستثمارات، خاصة خلال الفترة من 2021 إلى2022، نتيجة تراكم المستحقات وتأخر السداد إلا أن الإجراءات الأخيرة نجحت فى احتواء هذا التراجع، بل وتحويله إلى نقطة انطلاق جديدة.

وأكد وزير البترول أن هذه الخطوات ساهمت فى إعادة تنشيط أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الحقول، ما يضع القطاع على مسار تصاعدى نحو زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتى تدريجيًا.

خطة طموحة لزيادة الإنتاج

 ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تعمل وزارة البترول على تنفيذ برنامج طموح لحفر نحو 101 بئر استكشافية خلال عام 2026، كجزء من خطة خمسية تستهدف حفر أكثر من 480 بئرًا فى مختلف المناطق البترولية.

هذه الخطة لا تهدف فقط إلى زيادة الإنتاج، بل تسعى أيضًا إلى تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهو ما ينعكس إيجابيًا على ميزان المدفوعات ويخفف الضغط على العملة الأجنبية.

استثمارات عالمية تتدفق

أحد أبرز مؤشرات نجاح هذه السياسات هو عودة الشركات العالمية بقوة إلى السوق المصرية، مع الإعلان عن استثمارات ضخمة تتجاوز 19 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

فى مقدمة هذه الشركات، تأتى إينى الإيطالية بخطة استثمارية تبلغ نحو 8 مليارات دولار، تليها بى بى البريطانية باستثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار، فيما تضخ أباتشى أكثر من 4 مليارات دولار فى مناطق الامتياز بالصحراء الغربية.

كما أعلنت شل عن تعزيز أنشطتها فى البحث عن الغاز وإنتاجه فى البحر المتوسط، إلى جانب دخول أركيوس باستثمارات تُقدّر بنحو 2 مليار دولار، فى خطوة تعكس تنوع الشركاء الدوليين وثقتهم فى السوق المصرية.

تسعى الدولة من خلال هذه التحركات إلى تحقيق هدف استراتيجى يتمثل فى تقليل الفاتورة الاستيرادية من البترول والغاز، والتى تمثل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد، خاصة فى ظل تقلبات أسعار الطاقة عالميًا.

زيادة الإنتاج المحلى تمثل الحل الأكثر استدامة لمواجهة هذه التحديات، وهو ما تعمل عليه الحكومة عبر تعزيز الشراكات الدولية، وتوسيع نطاق الاستكشاف، وتسريع وتيرة التنمية فى الحقول القائمة.

تعزيز الثقة 

فى خطوة تعكس التزام الدولة بتعزيز الثقة فى قطاع البترول، أكد الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن إنهاء مستحقات الشركاء وخفضها من 6.1 مليار دولار إلى نحو 1.3 مليار دولار، مع خطة سدادها بالكامل بحلول يونيو المقبل، يمثل تحولًا إيجابيًا مهمًا فى مسار جذب الاستثمارات الأجنبية.

وأوضح راغب أن هذه الخطوة من شأنها أن تعزز ثقة المستثمرين بشكل كبير، وتدفع شركات البترول العالمية إلى تكثيف أنشطتها داخل السوق المصرية، خاصة فيما يتعلق بحفر آبار جديدة وزيادة عمليات البحث والاستكشاف. 

كما أشار إلى أن استقرار الأوضاع المالية وسرعة سداد المستحقات يبعث برسائل طمأنة قوية للمستثمرين الحاليين والمحتملين، ما يسهم فى جذب تدفقات استثمارية جديدة من الخارج.

وأضاف: إن تحقيق بيئة استثمارية جاذبة فى قطاع البترول يرتكز على عاملين رئيسيين، يتمثلان فى توافر عنصر الأمان، وضمان تحقيق عائد استثمارى مجزٍ، وهو ما تعمل الدولة على توفيره من خلال سياسات مالية وتنظيمية أكثر مرونة واستقرارًا.

وفيما يتعلق بمعدلات الإنتاج الحالية، أوضح أستاذ هندسة البترول والطاقة أن إنتاج مصر من الغاز الطبيعى لا يتجاوز 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، فى حين يبلغ إنتاج النفط نحو 510 آلاف برميل يوميًا، وهى معدلات تتطلب العمل على زيادتها لمواكبة الطلب المحلى المتنامي.

وشدد راغب على أن تحقيق الاكتفاء الذاتى من الطاقة يظل هدفًا استراتيجيًا تسعى الدولة إلى تحقيقه، من خلال التوسع فى أنشطة البحث والاستكشاف، وزيادة الاستثمارات فى القطاع، بما يسهم فى تعزيز قدرات الإنتاج وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار الإصلاحات فى قطاع البترول، إلى جانب الالتزام بسداد مستحقات الشركاء، يمثلان ركيزة أساسية لدعم نمو القطاع وتحقيق الاستدامة، بما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمى واعد فى مجال الطاقة خلال الفترة المقبلة.

التمهيد لاكتشافات جديدة

فى قراءة تحليلية لملف تسوية مستحقات شركاء قطاع البترول، أكد الدكتور رمضان أبوالعلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن الإسراع فى سداد هذه المستحقات يمثل خطوة محورية نحو تحفيز نشاط شركات البترول العالمية، بما يسهم فى ضخ استثمارات جديدة وتكثيف عمليات البحث والاستكشاف. 

وأوضح أن هذه الجهود تعد المدخل الرئيسى لتحقيق اكتشافات نوعية ومؤثرة فى مجالى النفط والغاز الطبيعى، بما يدعم مستقبل الصناعة البترولية فى مصر.

وأشار أبوالعلا إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتى من النفط والغاز الطبيعى يظل هدفًا استراتيجيًا يرتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على تحقيق اكتشافات كبيرة ذات جدوى اقتصادية مرتفعة. 

ولفت إلى أن آخر الاكتشافات الضخمة والمؤثرة التى تم الإعلان عنها تعود إلى عام 2015 مع اكتشاف حقل ظه”، والذى مثل نقطة تحول بارزة فى خريطة إنتاج الغاز الطبيعى فى مصر، وساهم لفترة فى تعزيز القدرات الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

وأضاف إن ما تلا ذلك من إعلانات لم يرقَ إلى مستوى الاكتشافات الكبرى، حيث اقتصر الأمر على إعادة تنمية بعض الحقول القائمة، إلى جانب تحقيق اكتشافات محدودة من خلال حفر آبار جديدة، إلا أن إنتاجها ظل ضعيفًا وغير قادر على إحداث تأثير ملموس فى حجم الإنتاج الكلي.

ومع تزايد معدلات الاستهلاك المحلى بوتيرة متسارعة، أصبحت هذه الزيادات المحدودة غير كافية لتغطية الطلب، ما أدى إلى توقف التصدير والعودة إلى استيراد احتياجات السوق من الغاز الطبيعى والزيت الخام، فضلًا عن المنتجات البترولية الأساسية مثل السولار والبوتاجاز.

وفى سياق متصل، شدد خبير الطاقة على أن البيئة التشريعية فى مصر لا تعانى من قصور فيما يتعلق بجذب الاستثمارات فى قطاع البحث والاستكشاف، مؤكدًا أن القوانين المنظمة للقطاع توفر إطارًا مناسبًا ومحفزًا للشركات العالمية. وأوضح أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى نقص التشريعات، بل فى كيفية إدارة وتسويق الثروات البترولية بشكل احترافى يواكب المنافسة العالمية.

واختتم أبو العلا تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك إمكانات واعدة فى مجال النفط والغاز، إلا أن تعظيم الاستفادة منها يتطلب رؤية متكاملة تقوم على الإدارة الكفء، والترويج الفعال للفرص الاستثمارية، بما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمى للطاقة، ويدعم قدرتها على تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك خلال المرحلة المقبلة.

عواقب تأخير السداد

فى إطار التأكيد على أهمية استقرار بيئة الاستثمار فى قطاع البترول، شدد الدكتور صلاح حافظ، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، على أن سداد مستحقات الشركاء يمثل أولوية لا تحتمل التأجيل، نظرًا لدوره المباشر فى دعم استمرارية الإنتاج وتعزيزه. 

وأوضح أن هذه المستحقات يُعاد توظيفها فى تمويل عمليات البحث والاستكشاف، إلى جانب الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية، بما يضمن استدامة النشاط البترولى وزيادة كفاءته.

وأشار حافظ إلى أن التزام الدولة بسداد مستحقات الشركاء فى مواعيدها يبعث برسائل طمأنة قوية للمستثمرين الدوليين، ويعزز من ثقتهم فى مناخ الاستثمار داخل مصر، حيث تدرك الشركات أن ما تنفقه من استثمارات فى سبيل تحقيق اكتشافات تجارية جديدة أو تشغيل الحقول سيتم تعويضه بشكل سريع ومنتظم. ولفت إلى أن هذا الالتزام يمثل عاملًا حاسمًا فى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، ودفع الشركات إلى توسيع أنشطتها فى السوق المصرية.

فى المقابل، حذر من أن التأخر فى سداد المستحقات قد يؤدى إلى تراجع معدلات الإنتاج، فضلًا عن تراجع اهتمام الشركات العالمية بضخ استثمارات جديدة، وهو ما ينعكس سلبًا على قدرة القطاع على النمو ومواكبة الطلب المتزايد على الطاقة.

وفيما يتعلق بتحديات تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، أكد نائب رئيس هيئة البترول الأسبق أن زيادة الإنتاج من النفط والغاز تتطلب التوجه نحو أنماط جديدة من الموارد، وعلى رأسها البترول والغاز الصخرى، باعتبارهما من المصادر الواعدة التى يمكن أن تسهم فى تقليص الفجوة بين الإنتاج المحلى والاستهلاك، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتى.

وأضاف إن تطوير البنية التحتية للطاقة يمثل عنصرًا مكملًا لهذه الجهود، مشيرًا إلى أهمية إنشاء خزانات استراتيجية للوقود فى دول مجاورة، إلى جانب التوسع فى قدرات التكرير لمختلف أنواع البترول.

 واعتبر أن هذه الخطوات ترتبط بشكل وثيق بالمتغيرات الجيوسياسية، وتدعم قدرة مصر على تأمين احتياجاتها من الطاقة وتعزيز دورها الإقليمى فى هذا المجال.

كما أكد على الدور الحيوى للقطاع الخاص فى دعم خطط التنمية بقطاع البترول، من خلال المشاركة فى مشروعات البحث والإنتاج والتكرير، بما يعزز من كفاءة الأداء ويزيد من تنافسية القطاع.

واختتم حافظ تصريحاته بالإشارة إلى تجارب دولية ناجحة استطاعت تحقيق طفرة كبيرة فى إنتاج الطاقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التى تحولت من دولة مستوردة إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة لمختلف أنواع الطاقة، وهو ما يعكس أهمية تبنى استراتيجيات متكاملة قائمة على الاستثمار والتكنولوجيا لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.