فى معرض الفنان د.أحمد رجب صقر بجاليرى المشهد
«ألف وجه ووجه».. خطابات بصرية حول الأصالة والمعاصرة
د.أحمد سميح
يمثل الفنان الدكتور أحمد رجب صقر تجربة فنية متفرّدة فى المشهد التشكيلى المصرى والعربي، فهو فنان جمع بين الرصيد الأكاديمى والخبرة الطويلة وبين شغفه الدائم بالتجريب والبحث عن مساحات جديدة للتعبير، حيث استطاع أن يطور لغة تشكيلية خاصة به تجمع بين الأصالة والابتكار، وبين الانغماس فى البيئة الشعبية المصرية والانفتاح على تقنيات وأساليب حديثة.
فى معرضه بقاعة المشهد بعنوان «ألف وجه ووجه» يظهر بوضوح قدرته على المزج بين عناصر الحياة اليومية والرموز الثقافية وبين التجريد والتشخيص فى صياغات متوازنة وتكوينات شديدة الثراء بليغة التعبير تفتح أمام المتلقى مساحات من التأمل والقراءة، كما يوظف رمال الشواطئ المصرية البيضاء كخامة تشكيلية تمنح اللوحة طبقات لونية غنية بالملمس والدلالة وتربط العمل الفنى بالأرض والذاكرة والبيئة المصرية، وهو بذلك يربط الفن بالتراث الطبيعى ويمنحه خصوصية محلية لا يمكن فصلها عن سياقها الثقافي، وتتحول الوجوه الشعبية فى أعماله إلى نصوص بصرية نابضة بالحياة تحمل ملامح الحارة المصرية بتنوعاتها الاجتماعية والثقافية وكأنها قصص تُروى عن الفرح والمعاناة والحكمة الشعبية المتوارثة.
تشكل أعماله خطابات بصرية فلسفية وجمالية تدعو المشاهد إلى إعادة التفكير فى علاقة الفن بالتراث وفى قدرة الصورة على أن تكون نصًا مفتوحًا للتأويل، ويكشف من خلالها عن حب عميق للرموز حيث يوظف عناصر بصرية مستمدة من الفن المصرى القديم والتراث العربى ويعيد صياغتها فى سياقات معاصرة لتصبح اللوحة أو الجداريات بمثابة نص بصرى يحمل دلالات فلسفية تتجاوز البعد الجمالي، ومن رمال شواطئ البحر المتوسط البيضاء بما تحمله من مخزون وطاقة روحية
يشكل الفنان عناصر لوحاته ويزاوج فيها بين الخطوط والأشكال فى تكوينات هندسية متراصّة تتوزع على المساحات الأفقية والرأسية وتتنوع ما بين البارز والغائر فى توازٍن وتناغم مستوحى من جدران المعابد الفرعونية ويتحول فيها الخط العربى إلى كائن حى يتنفس وينبض بالحياة فى قالب حداثى ومعاصر، وهكذا تتجلى فى أعماله ثنائية التراث والحداثة حيث لا يكتفى بإعادة إنتاج الرموز بل يعيد صياغتها فى خطاب بصرى معاصر يفتح أمام المتلقى آفاقًا جديدة للتأمل ويؤكد أن الفن بالنسبة له لغة هينة يتقن مفرداتها ويمسك بتلابيبها

من خلال هذا التنوع والتمكن يظهر أن أحمد رجب صقر لا يكتفى بأن يكون فنانًا مبدعًا فحسب بل هو أيضًا باحث فى جماليات البيئة الشعبية ومترجم بصرى لقصص الناس البسطاء، وهو بذلك يرسخ مكانته كفنان قادر على تحويل الواقع الشعبى إلى مادة تشكيلية تحمل أبعادًا ثقافية وإنسانية ويؤكد أن الفن التشكيلى المصرى قادر على أن يعبر عن الواقع المحلى وفى الوقت نفسه أن ينفتح على آفاق عالمية، مما يجعل تجربته شهادة على قدرة الفن على أن يكون مرآة للواقع الشعبى وفى الوقت نفسه نافذة للتأمل والتجريب ويجعل من أحمد رجب صقر نموذجًا للفنان الذى يجمع بين الأصالة والحداثة وبين المادة المحلية والرمزية العالمية وبين الخبرة الراسخة وحب التجريب الذى يفتح أمامه آفاقًا جديدة فى كل عمل يقدمه ليؤكد أن الفن ليس مجرد ممارسة تقنية بل هو مشروع بصرى وفكرى متكامل يعكس تفاصيل المجتمع ويعيد صياغتها فى صورة قصص بصرية تحمل أبعادًا إنسانية وجمالية عميقة.






