السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
اللغة نزهة  فى ضوء القمر

اللغة نزهة فى ضوء القمر

هل من الممكن أن تتحول دراسة اللغة العربية فى مدارسنا إلى نزهة فى ضوء القمر؟، هل يمكن لدارسيها أن يتنفسوا بالفصحى، وتصبح لغة الحب، ولغة الود والتفاهم فى الحياة اليومية؟



بل تصبح لغة الرسائل الإلكترونية، والشات،والفيس بوك دون اللجوء للاختصارات أو استخدام اللغة الهجين تلك التى تتكون من أرقام مكتوبة بالإنجليزية، وحروف مكتوبة بالعربية!، يتفاهمون بها، ويجعلونها لغتهم الخاصة التى أصبحت غامضة على ذويهم، ومدرسيهم، تحقق لهم هذه الخصوصية الغامضة التى تباعد بينهم، وبين عذوبة اللغة الأم.. اللغة العربية.

.. دارت فى ذهنى هذه التساؤلات جميعًا وأنا أستعيد كلمات مهمة لنزار قبانى فى كتابه «قصتى مع الشعر» فيتحدث عن أول بيت شعرى سحره، وربطه باللغة العربية، ودراسة الأدب فيقول: «إن معلم الأدب الذى تتلمذت عليه كان شاعرًا من أرق وأعذب شعراء الشام، وهو الأستاذ خليل مردم بك، هذا الرجل ربطنى بالشعر منذ اللحظة الأولى حين أملى علينا فى أول درس من دروس الأدب مثل هذا الكلام المصقول لسبيكة الذهب، وكان الكلام قصيدة تقول: «إن التى زعمت فؤادك مَلَّها/ خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها. منعت تحيتها فقلت لصاحبى/ ما كان أكثرها لنا وأقلها».

ويتحدث نزار فى شهادته عن فضل أستاذه فى تقريب دراسة الأدب إلى نفسه فيقول: «واستمر خليل مردم بك يقطف لنا من شجرة الشعر عشر زهرات جديدة فى كل درس من دروسه حتى صارت ذاكرتنا الشعرية فى نهاية العام بستانًا يموج بالأخضر والأصفر والأحمر، لقد جنبنا هذا الشاعر الكبير بذوقه المترف، وإحساسه المُرهف السير على حجارة أكثر الشعر الجاهلى، ونباتاته الصحراوية الشائكة، ودلنا على طرقات ظليلة، وواحات فى الشعر العربى أنستنا متاعب الرحلة».

ويضيف نزار حول دور معلمى اللغة العربية، وأثرهم فى تنمية الذوق الفنى لطلابهم فيقول: «إن مُدرسى اللغة العربية وآدابها يلعبون دورًا خطيرًا فى فتح شهية الطلاب أو سدها، فمدرس يجعل ساعة الأدب ساعة تعذيب واحتضار!

ومدرس يجعل المادة التى بين يديه حقل جلنار، ويُحوِّل النصوص الجامدة إلى نزهة فى ضوء القمر، وإذا كان الذوق الشعرى عجينة تتشكل بما نراه ونسمعه، ونقرأه فى طفولتنا فإن خليل مردم كان له الفضل فى زرع وردة الشعر تحت جلدى، وفى تهيئة الخمائر التى كونت خلاياى وأنسجتى الشعرية.

...  ولم يكتف نزار بعشقه للغة العربية، وإنما اكتشف فضل اللغات الأخرى على كتاباته، وأسلوبه الشعرى، وهذا الانفتاح على اللغات الأخرى من وجهة نظرى من أثمن ما تركه لنا نزار فقد رأى فى تذوق اللغات ومفرداتها وموسيقاها، ومعانيها جداول عذبة ترفد ماء الشعر وتغذيه، وتُغنى الثقافة اللغوية والأدبية بتنوع ثرى فيقول: «وقد انتفعت كثيرًا من اللغة الإنجليزية فهى لغة اقتصادية، لا تعرف التهور والإسراف، وجربت فى كثير من شعرى تطبيق مبدأ التقنين الإنجليزى، والاستغناء عن كل القماش اللغوى المهدور الذى يشوه القصيدة العربية، ويجعلها مترهلة بشحم ألوف المفردات والتراكيب التى لا قيمة غذائية فيها.

ويعترف نزار بتأثر اللغة الإنجليزية على بعض أعماله مثل مجموعاته الشعرية:

«قصائده»، و«حبيبتى»، و«الرسم بالكلمات»، فقد كانت لها تأثيرات مهمة تتعلق بمنطق اللغة، وطريقة التعامل معها، وفى اعتراف آخر مثير لنزار يقول فيه عن اللغة الأسبانية: «كنت مبهورًا بقدرة اللغة الأسبانية على نقل انفعالاتى وهواجسى بمثل هذه الدقة والصفاء، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت: إن النص الأسبانى لبعض القصائد كان يتفوق فى جماليته وموسيقاه على النص العربى».

وكان المستشرق الأسبانى بدرو مارتينز مونتافث قد ترجم مختارات من شعر نزار إلى الأسبانية، وصدرت عن المعهد الثقافى الأسبانى تحت عنوان: «أشعار حب عربية».

ويُرجع نزار انبهاره باللغة الأسبانية إلى طبيعتها هى نفسها، وتركيبها الهارمونى، وإلى تلك الفترة السعيدة التى عاشت فيها اللغة العربية واللغة الأسبانية معًا فى شهر عسل استمر سبعمائة عام، فيقول: «قد يكون عشقى للغة الأسبانية متأثرًا بعوامل تاريخية، ووجدانية لا تزال مخبوءة فى عقلى الباطن، ولكن هذا لا يغيِّر من الواقع شيئًا إذ ليس مطلوبًا من العاشق أن يبرر أسباب عشقه، المهم أننى أحببت أسبانيا وأحببت لغتها، وأغتنيت كثيرًا بقراءة قصائد شعرائها الكبار أمثال ماتشادو، وخيمينز، وبيكر، ولوركا، واستمتعت بالطريقة التى يقرأ فيها الشعراء الأسبان قصائدهم على خلفية مدهشة من رنين الجيتارات وعطر أشجار النارنج وأنفاس الياسمين الأندلسى».

... تلك بعض اعترافات نزار، وحقائق من تجربته مع اللغة العربية، واللغات الأخرى التى اكتسبها وأغنت ذائقته الأدبية، وبدورنا نقول: اللغة اليوم هى انفتاح واغتناء من كنوز العربية واللغات الأخرى.