مخاطر التخبط الأمريكى فى إيران
ابتهال مخلوف
سلط تقرير فى مجلة «Foreign Affairs» الأمريكية الضوء على المخاطر الكبيرة للتخبط الاستراتيجى الأمريكى فى التعامل مع إيران، مؤكدة أن أى مواجهة عسكرية غير مخططة بشكل دقيق ستكلف الولايات المتحدة كثيرًا ولن تحقق الأهداف المرجوة.
وأشار تحليل استراتيجى أعده الأستاذان ريتشارد ك. بيتس وستيفن بيدل، أستاذا العلاقات الدولية بجامعة كولومبيا وزميلا مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى، إلى أن الحرب ضد إيران تعانى من غياب استراتيجية واضحة وأهداف محددة، ما يجعل نتائجها غير مؤكدة على الإطلاق.
الحرب ليست لعبة
يقول الباحثان إن ما يحدث فى الواقع يختلف جذريًا عن الحملات الدعائية التى أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى بداية العدوان على طهران. الحرب ليست فيلمًا أو لعبة فيديو، بل قرار يترتب عليه قتل البشر وتدمير الممتلكات. ولكى تكون هذه التكاليف المادية والمعنوية مقبولة، يجب أن تصاحبها غاية نبيلة واستراتيجية واضحة تحقق من خلالها القوة العسكرية نتائج سياسية ملموسة.
وهنا يطرح التقرير تساؤلات أخلاقية حول مشروعية الحرب، منتقدًا ما وصفه بـ النهج العسكرى العشوائى للإدارة الأمريكية، الذى انحرف عن أهدافه المعلنة المتمثلة فى: «القضاء على تهديد إيران على المصالح الأمريكية، منع طهران من تطوير أسلحة نووية، تدمير قواتها الصاروخية والبحرية، والإطاحة بالنظام الإيرانى».
الهدف الأدنى والأقصى للحرب
يعتقد التحليل أن الهدف الأدنى للحرب يتمثل فى إدارة الصراع من خلال إضعاف إيران بشكل دورى والسيطرة على الوضع، لكن هذا لن يحد من قدرات طهران أو دوافعها للإضرار بالمصالح الأمريكية.
أما الهدف الأكبر المتمثل فى تغيير النظام، فهو شبه مستحيل. فالهجمات الأمريكية لم تؤدِ إلى أى انتفاضة شعبية ليبرالية تطاح بالقيادة الحالية، بل أسفرت عن نتائج عكسية، إذ تعززت حكومة أكثر عدائية تجاه الولايات المتحدة.
ويشير التقرير إلى أن غياب اتفاق مناسب لإنهاء الحرب يجعل الهجوم البرّى والغزو القسرى لإيران خيارًا صعبًا، لأن البلاد أكبر من العراق وأكثر كثافة سكانية، وهذا بدوره يجعل أى احتلال طويل الأمد غير عملى، فضلاً عن عدم رغبة أى إدارة أمريكية فى تكرار خطأ العراق.
خيارات محدودة وخصم متحفز
يترك هذا الوضع الولايات المتحدة أمام خيارات محدودة فى مواجهة خصم متحفز للانتقام، حيث لا يمكن الاعتماد على العمليات العسكرية الدورية وحدها لإضعاف القدرات الإيرانية دون عمليات تفتيش واسعة ودقيقة على المنشآت النووية والعسكرية.
وقد أثبتت العمليات السابقة، بما فيها اغتيال عشرات العلماء والقادة الإيرانيين فى 2025 و2026، محدودية القدرة على جمع معلومات موثوقة وشاملة عن البنية التحتية النووية الإيرانية، كما أن كل هجوم يؤدى إلى تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية وإذكاء النزعة الوطنية للانتقام، ما يعد فشلًا للاستراتيجية الأمريكية.
مخاطر تصاعد الإرهاب والرد الانتقامى
يحذر التحليل من أن العمليات الأمريكية والإسرائيلية قد تؤدى على المدى القصير إلى تصاعد الإرهاب، إذ قد يسعى النظام الإيرانى للانتقام من خلال استهداف مسئولين أمريكيين فى مواقع وأوقات محددة، ما قد يدفع الولايات المتحدة لتصعيد الحرب بشكل أكبر.
على المدى الطويل، فإن الهجمات الدورية قد تعزز قدرة إيران على التكيف مع الهجمات وتحسين أساليب إخفاء ونشر قدراتها الهجومية، ما يجعل أى استراتيجية للسيطرة طويلة الأمد مكلفة وغير فعالة.
تكلفة الحرب مقابل الفوائد
بالنسبة لإسرائيل، قد تكون التكاليف العالية للعمليات العسكرية مقابل تقويض قدرات إيران النووية مجدية إذا كان تهديد إيران وجوديًا. أما الولايات المتحدة، فإن التركيز على إيران يصرف الانتباه عن تهديدات أكبر، مثل الغزو الروسى لأوكرانيا أو مغامرات الصين وكوريا الشمالية النووية.
ويشير التقرير إلى أن الحرب ضد إيران ليست رخيصة، إذ تكلف مليارات الدولارات فى أسابيعها الأولى فقط، وتؤثر على دعم أوكرانيا وتستهلك أحدث المخزونات العسكرية الأمريكية، كما تلحق صدمة بالاقتصاد العالمى.
لا اتفاق تفاوضى فى الأفق
يؤكد التحليل أن التوصل إلى اتفاق تفاوضى حقيقى، يقوم على الأخذ والعطاء، يبدو بعيد المنال. فالسابقات الأمريكية فى التعامل مع إيران، بما فيها إلغاء الاتفاق النووى عام 2017 وشن الهجمات المفاجئة على إيران أثناء المفاوضات، لم تمنح طهران أى مبرر لأخذ الدبلوماسية الأمريكية على محمل الجد.






