السبت 11 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

السيسى راعى السلام فى الشرق الأوسط

فى لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتصاعد فيها وتيرة المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتحرك مصر بثقلها السياسى والدبلوماسى فى محاولة لاحتواء واحدة من أخطر موجات التصعيد التى تشهدها المنطقة فى السنوات الأخيرة.



ويأتى هذا التحرك مدعومًا بتصريحات حاسمة للرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى دعا نظيره الأمريكى دونالد ترامب إلى التدخل لوقف الحرب، مؤكدًا أن استمرار التصعيد قد يؤدى إلى صدمة اقتصادية عالمية تشمل أسعار النفط والغذاء والأسمدة، ويجب حماية الأمن الإقليمى والاقتصادى من الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

وفى إشارة إلى تأثير التصعيد على سلاسل الغذاء والطاقة العالمية، قال الرئيس السيسي: الأسمدة التى تدخل فى إنتاج الغذاء للأعلاف ومنتجات غذائية عالمية لبشر يقارب عددهم 8 مليارات، إذا تأثرت، ستكون لها انعكاسات كبيرة على الاقتصاد العالمى.

وبينما تتسارع التطورات الميدانية، تبرز القاهرة كفاعل رئيسى يسعى إلى ضبط إيقاع الأزمة، عبر مزيج من الوساطة المباشرة والتحركات الجماعية، فى مقدمتها الإطار الرباعى الذى انعقد مؤخرًا فى إسلام آباد.

لحظة اختبار

ويرى السفير محمد حجازى أن التحركات الإقليمية الراهنة، وفى مقدمتها الجهود المصرية، تمثل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الفاعلين الإقليميين على احتواء واحدة من أخطر موجات التصعيد فى المنطقة، على خلفية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.

وأوضح أن المحادثات الرباعية فى إسلام آباد تبرز كإطار تنسيقى مهم، لكنها لا تنفصل عن الدور المحورى الذى تضطلع به القاهرة، سواء عبر قنواتها المباشرة أو من خلال تحركات مكوكية نشطة تهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات.

وأكد أن التحرك المصرى يتسم بخصوصية لافتة، إذ يجمع بين الخبرة التراكمية فى إدارة الأزمات الإقليمية، والقدرة على الحفاظ على قنوات اتصال متوازنة مع مختلف الأطراف، بما فى ذلك قوى يصعب جمعها على طاولة واحدة. فالقاهرة—بحسب حجازي—لا تتحرك فقط كوسيط تقليدى، بل كفاعل يسعى إلى صياغة مقاربات عملية لخفض التصعيد، من خلال الدفع نحو تثبيت هدن مؤقتة، وفتح مسارات تفاوض غير مباشرة، والعمل على ضبط إيقاع العمليات العسكرية بما يمنع خروجها عن السيطرة.

وأضاف حجازى أن نداء الرئيس عبدالفتاح السيسى للسلام، ورسائله المباشرة إلى ترامب، يمثل تأكيدًا متجددًا على ثوابت السياسة المصرية القائمة على تغليب الحلول السياسية واحتواء التصعيد، وأن هذه الدعوة تعكس إدراكًا دقيقًا لخطورة المرحلة وضرورة تحرك القوى الدولية نحو وقف المواجهات وفتح مسارات تفاوض جادة، بما يحفظ أمن واستقرار الإقليم ويجنب المنطقة مزيدًا من الانزلاق إلى دوائر الحرب والمواجهة.

وأشار إلى أن التصريح يأتى فى إطار إعمال دبلوماسية القمة للضغط والتأثير بحكم المكانة التى يحظى بها الرئيس السيسى لدى الرئيس ترامب، وإدراكًا كذلك بأن الولايات المتحدة هى التى بدأت الحرب وهى القادرة على إنهائها.

 كما أن الرسالة تحمل تحذيرًا من أن المنطقة معرضة لمزيد من المخاطر، بما يجعل النداء فى توقيته الراهن بالغ الأهمية، بينما تلعب الدبلوماسية المصرية دورًا هامًا ضمن جهود الدول الأربع (مصر والسعودية وباكستان وتركيا) لإطلاق عملية تفاوض تسمح بتهدئة الأمور وإبعاد المنطقة عن المخاطر الجسيمة المرتبطة بالحرب.

وأضاف أن مصر تبذل جهدها لإسناد دول الخليج والتأكيد على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، وتدين الاعتداءات الإيرانية، وتدعو لجهود وساطة، تساندها للوصول إلى النتائج المأمولة لتجنيب المنطقة ويلات اتساع الحرب.

3  سيناريوهات محتملة

وفيما يتعلق بمهلة العشرة أيام، أوضح حجازى أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية:

1. نجاح نسبى للوساطات يؤدى إلى تمديد غير معلن للتهدئة.

2. عودة التصعيد المحدود بضربات محسوبة.

3. انهيار كامل لمسار التهدئة بما يفتح الباب أمام مواجهة واسعة متعددة الجبهات.

ولفت إلى أن مصر تسعى وفق الرؤية المطروحة، إلى استثمار ما بعد الأزمة فى وضع إطار شامل للأمن والتعاون الإقليمى، على غرار تجربة الاتحاد الأوروبى، بحيث يصبح الشرق الأوسط نطاقًا جغرافيًا له قواعده ومبادئه التى تلتزم بها دول المنطقة، عبر آلية مؤسسية تنظم التعاون وتدير مختلف الملفات المشتركة.

يأتى ذلك اتساقًا مع البيان المشترك الصادر عن مجلسى النواب والشيوخ، الذى أكد دعوة المجلسين إلى ضرورة بلورة ترتيبات إقليمية شاملة تعزز مفهوم الأمن الجماعى العربى، وتترجمه إلى آليات تنفيذية فعالة لحماية سيادة الدول وصون مقدراتها.

دعوة سلام

من الجانب العسكرى، يرى اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن القومى، أن مصر تلعب دورًا محوريًا فى الوساطة الدبلوماسية لإنهاء التصعيد العسكرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع دعمها لأى مبادرات لوقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

وأشار إلى أن اجتماع اللجنة الرباعية فى إسلام آباد، بمشاركة مصر والسعودية وتركيا وباكستان، يمثل تطورًا مهمًا فى مسار الوساطة، حيث ناقش سبل خفض التصعيد، وتفعيل مسارات تفاوضية، والرد على الخطة الأمريكية، مع تسجيل تقدم محدود يعكس استمرار الفجوة بين المواقف الأمريكية والإيرانية.

وأضاف عبدالواحد أن الخطاب الذى قدمه الرئيس عبدالفتاح السيسى، والذى تضمن دعوة مباشرة للسلام موجهة للرئيس الأمريكى ترامب لوقف الحروب، يحمل دلالات إنسانية رفيعة، حيث يشير إلى أن الدعوة ليست لمصر وحدها، بل للإنسانية جمعاء، ويبرز قدرة الرئيس ترامب على إيقاف الحرب، ويعكس قوة ومتانة العلاقات المصرية–الأمريكية، ويعزز الدور المصرى فى الوساطة، ويؤكد مكانة مصر الإقليمية والدولية كدولة صانعة وداعية للسلام.

وأشار عبدالواحد إلى أن هذه الدعوة للسلام هى دعوة راقية للغاية، ولا يقوم بها إلا رجل عظيم.

جولات مكوكية

من بغداد قال هادى جلو مرعى، رئيس رابطة المحللين السياسيين فى العراق، إن الجهود المصرية تتصاعد بشكل ملحوظ، خاصة مع الجولات المكوكية لوزير الخارجية بدر عبد العاطى، والتى شملت المشاركة فى قمة إسلام آباد مع وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا.

وأكد أن هناك سباقًا مع الزمن لتفادى تداعيات ما بعد المهلة التى حددها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن الجهود المصرية الحالية استثنائية وحقيقية، وليست بروتوكولية، بل تنطلق من إدراك عميق لحجم المخاطر المحتملة على الاقتصاد العالمى والعلاقات الدولية.

وأضاف أن مصر تمتلك خبرة طويلة فى إدارة الأزمات الدولية، ما يجعلها قادرة على لعب دور ريادى فى هذا الملف.

وحول السيناريوهات المحتملة، حذر مرعى من إمكانية تطور الأمور إلى عمليات برية محدودة أو محاولات لتحقيق مكاسب ميدانية، فى ظل تعقيدات المشهد ورفض إيران تقديم مزيد من التنازلات.

فى المحصلة، تعكس التحركات المصرية مقاربة واقعية تقوم على إدارة الأزمة وتقليل مخاطرها، أكثر من السعى إلى حل جذرى وفورى للصراع. وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية عبر القنوات الثنائية والإطار الرباعى، يبقى نجاح هذه المقاربة مرهونًا بمدى استعداد أطراف الصراع لمنح الدبلوماسية فرصة حقيقية تتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة.

وفى ظل هذا المشهد، تظل القاهرة لاعبًا رئيسيًا يسعى إلى تثبيت التوازن، وفتح نوافذ التهدئة، تمهيدًا لمرحلة قد تحمل، إذا ما نجحت هذه الجهود، ملامح نظام إقليمى جديد أكثر استقرارًا وتوازنًا.