علماء الدين الإسلامى والمسيحى: المنتحر ارتكب كبيرة وأمره بيد الله
أشرف أبوالريش
أكدت المؤسسات الدينية «الإسلامية والمسيحية»، أن قضية الانتحار لم تعد مجرد خبر عابر أو واقعة فردية، بل صارت جرس إنذار أخلاقيًّا وإنسانيًّا يدعونا جميعًا إلى مراجعة خطابنا الدينى والاجتماعى والنفسى، فخلف كل حالة انتحار إنسانٌ أنهكه الألم، وضاقت به السبل، فظنَّ خطأً أن إنهاء الحياة هو طريق النجاة.
والحقيقة التى يجب أن نقررها بوضوح، أن الإسلام دين الحياة لا دين اليأس، وقد جعل حفظ النفس أحد أعظم مقاصده، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فالانتحار فى ميزان الشريعة حرامٌ قطعًا وكبيرةٌ عظيمة؛ لأن النفس ليست ملكًا لصاحبها، بل أمانة أودعها الله بين يديه، فلا يملك إنهاءها كما لا يملك خلقها، لذلك جاءت النصوص الشرعية شديدة التحذير، حمايةً للإنسان من لحظة ضعف قد تسرق منه مستقبله وآخرته.
لكن من المهم أيضًا تصحيح مفهوم شائع يؤلم أسرًا كثيرة فقدت أبناءها، فالمنتحر عند جمهور العلماء ليس كافرًا، بل مسلمٌ وقع فى معصية عظيمة، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لأن باب الرحمة الإلهية لا يُغلق دون عبدٍ مات على التوحيد، وقد علمنا النبى ﷺ درسًا عظيمًا فى الرحمة حين دعا لمن أنهى حياته تحت وطأة الألم، فكان ذلك تأكيدًا أن المجتمع لا يملك إصدار أحكام قاسية على القلوب المكسورة، بل واجبه الدعاء والاحتواء والرحمة، ولهذا فإن المنتحر يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفن فى مقابر المسلمين، لأن الإسلام لا يعاقب الأحياء بمضاعفة آلامهم، ولا يحمّل الأسر فوق ما تحتمل من الحزن والفقد.
والأخطر من الحكم الفقهى هو الجانب الإنسانى، فالدراسات الطبية والنفسية الحديثة تؤكد أن كثيرًا من حالات الانتحار ترتبط بأمراض نفسية قاهرة كالاكتئاب الحاد وفقدان القدرة على اتخاذ القرار، وهى حالات قد تُضعف الإرادة الإنسانية إلى حدٍ كبير، والإسلام يقرر قاعدة عظيمة: رفع الحرج عن فاقد القدرة والاختيار، ومن هنا فإن واجبنا اليوم لا يقتصر على الوعظ، بل يمتد إلى بناء مجتمعٍ حاضنٍ للإنسان قبل أن يسقط فى اليأس: أسرة تستمع قبل أن تحاكم، ومجتمع يواسى بدل أن يُدين، وخطاب دينى يفتح أبواب الأمل ولا يغلقها بالخوف وحده.
إن رسالة الدين ليست تخويف الإنسان من الله، بل تعريفه برحمته، فالله سبحانه سمّى نفسه الرحمن الرحيم قبل أن يصف نفسه بالعقاب.
من جانبه يرى المفكر الإسلامى الدكتور على الكنيسي، أن الأزمات الاقتصادية ليست وحدها سبب حالات الأمراض النفسية، بل إن المجتمع بأكمله، بما يضمه من مؤسسات اجتماعية وتعليمية وثقافية وإعلامية ودينية وفكرية، يتحمل مسئولية الخلل الواضح فى البناء الأخلاقى والإيمانى والوجدانى لدى البعض منا، مؤكدًا أن غياب الأدوار التربوية الحقيقية للأسرة والمدرسة والشارع أسهم فى تشكيل شخصية هشة قابلة للانكسار، عاجزة عن التحمل والمواجهة، فالطفل الذى لم يرَ سلوكًا سويًّا من أبٍ أو أمٍّ أو من محيطه القريب والبعيد، كيف يمكن أن تتجذر القيم الإنسانية فى وجدانه لتصبح أسلوب حياة؟.
وتابع: «لقد كانت قيم الصدق والتراحم، وعفة اللسان، والتسامح، وإلتماس المعاذير، والصبر الجميل، والهجر الجميل، والسراح الجميل، وحفظ الفضل ونسبته لأهله، وعدم نكران المعروف، واستيقاظ الضمير الحى والبعد عما يغضب الله، كلها سلوكيات نعيشها واقعًا يوميًّا قبل أن نقرأ عنها فى الكتب، تعلمناها من أبٍ صالح، وأمٍّ صالحة، ومحيط اجتماعى كان يمارس الفضيلة باعتبارها حياةً لا تنظيرًا، لكننا اليوم نلهث وراء نزعات استهلاكية ورغبات مادية متسارعة، وتكالبٍ محموم على إشباع الأهواء، حتى تراجع حضور القيم الإيمانية فى القلوب، وأصبح الدين حاضرًا على أطراف الألسنة أكثر منه فى أعماق السلوك، وهنا يصدق قول الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾.
ويختتم «الكنيسي» رأيه بالتأكيد أن مسئولية المجتمع لا تقف عند حدود التشخيص أو اللوم، بل تبدأ من استعادة إنسانية الإنسان، وبناء بيئة تمنح الأمان النفسى والروحى لكل من أثقلته الظروف وضاقت به الحياة، موضحا أن واجبنا الأول هو الدعاء الصادق بالرحمة والمغفرة لكل من دفعته قسوة الظروف إلى اليأس، وتقديم الاعتذار الإنسانى له؛ فقد وقفنا كمجتمع موقف المتفرج، غائبى الوعي، عاجزين عن توفير الأمان النفسى والروحى الذى كان يمكن أن يحميه من صراع النفس وضغوط الحياة.
من جانبه أكد اللواء دكتور طارق الغنام، ضرورة أن يكون الخطاب الدعوى قريبًا من واقع الناس، نابضًا بقضاياهم، لا منفصلًا عنها، فالدعوة التى لا تلامس معاناة الإنسان، ولا تخاطب أزماته النفسية والاجتماعية، تظل قاصرة عن أداء رسالتها، فالإنسان فى لحظات ضعفه لا يحتاج فقط إلى تذكير بالحكم الشرعي، بل إلى من يربت على قلبه، ويعيد إليه الإحساس بأن الحياة رغم قسوتها ما زالت جديرة بأن تُعاش»، لافتًا إلى أن دور المجتمع يتجلى بوصفه الحاضن الأول للإنسان؛ فالصديق، والأسرة، وحتى الدائرة البسيطة من المعارف، قد تكون الفارق بين النجاة والانهيار، كلمة صادقة، موقف داعم، أو حتى إنصات حقيقي، قد ينقذ نفسًا من حافة السقوط، فالإنسان لا ينهار فجأة، بل ينهار حين يشعر أنه وحيد تمامًا، وأن صوته لا يُسمع، وألمه لا يُرى».
وأردف:» من هنا، لم يعد مقبولًا أن تظل الدعوة حبيسة دائرة الوعظ النظري، بل غدت مطالبة بأن تسهم فى إعادة بناء المنظومة القيمية للمجتمع، وأن تجمع بين التحذير من قتل النفس وفتح أبواب الأمل، وبين بيان الحكم الشرعى وبث الطمأنينة فى القلوب، فالابتلاء سنة من سنن الحياة، وقد مرّ به الأنبياء والمرسلون، فصبروا واحتسبوا، ولم ينقطع رجاؤهم فى الله، والرسالة الأعمق التى ينبغى أن نُدركها أن الإنسان لا يحتاج إلى عالم بلا ألم، بل إلى مجتمع لا يتركه وحيدًا فى ألمه، فمواجهة ظاهرة الانتحار لا تبدأ بإدانة الضحية، بل بإصلاح البيئة، وترميم العلاقات، واستعادة الدفء الإنسانى الذى يحفظ الأرواح قبل أن تضيع.
من جانبه يؤكد الدكتور محمد أحمد عمر هاشم - عضو مجلس الشيوخ، على ارتباط الدعوة الإسلامية بقضايا الواقع المعاصر، فالخطاب الدينى الناجح ليس ذلك الذى يكتفى بالمواعظ المجردة، بل الذى ينزل إلى معترك الحياة، يلامس جراح الناس وهمومهم، ويقدم لهم حلولًا عملية وسندًا روحيًا يعينهم على مواجهة الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التى تعصف بهم، بدلًا من الانفصال عن آلامهم، فالإنسان يتأثر بشدة بمحيطه، وكثيرًا ما تكون الكلمة القاسية معول هدمٍ للروح، فالغيبة والنميمة وتتبع العورات ليست مجرد آفات سلوكية أو ذنوب عابرة، بل سهام مسمومة تمزق النسيج النفسى للإنسان، وتشعره بالنبذ والظلم، وقد تكون سببًا مباشرًا فى تعرضه لأزمة نفسية حادة تدفعه نحو العزلة واليأس.
واختتم حيثه:» فى ظل هذه الضغوط المتراكمة، يأتى التحذير الإلهى الصارم من قتل النفس؛ فالروح أمانة غالية وهبها الله للإنسان، ولا يملك حق إنهائها تحت أى ظرف، وقد حرم الإسلام الانتحار تحريمًا قاطعًا حفاظًا على قدسية الحياة، موجّهًا الإنسان إلى طلب العلاج النفسى والدوائي، ومذكرًا إياه بأن رحمة الله أوسع من كل ألم، وأكبر من كل يأس».
فيما أوضح القس آندريه ذكى رئيس الطائفة الإنجيلية، أن الانتحار فى المسيحية يعتبر خطئية وأن الله وحده هو الذى يحكم على عباده، فقتل النفس خطئية مهما كانت الدوافع والمنتحر أمره بيد الله وحده.






