اشرف ابو الريش
صباح الخير يا سينا.. ذاكرة وطن
توقفتُ عن كتابة المقالات الصحفية منذ فترة قريبة، لا لأن الحروف خذلتني، ولكن لأننى كنت قد انتهيت من نص أدبى يليق بما تبقّى من العمر المهنى، ويُضاف إلى الذاكرة لا إلى الأرشيف.. الملف الثقافى ظلّ دائمًا على رأس أولوياتى، والكاتب المثقف يكتب بعقله وقلبه معًا، لا بالحبر وحده على الورق.
صباح أمس، استيقظت على أغنية عظيمة تتسلل إلى ذاكرتى، للعندليب عبد الحليم حافظ رحمه الله، وهى أغنية «صباح الخير يا سينا».
وكان الأمر أقرب إلى نداءٍ داخليّ، كأن سيناء نفسها تهمس لى، وتستعيد معى عهدًا قديمًا قطعته على نفسى منذ الصغر: أن هذه الأرض ليست جغرافيا تُقرأ، بل روحٌ تُعاش.. هى الجسد والدم والانتماء.
الأغنية تقول: صباح الخير يا سينا
غناء: عبد الحليم حافظ وكلمات: عبد الرحمن الأبنودى وألحان: كمال الطويل.
فى الأولى قلنا جيِّنالك وجينالك.. ولا تهنا ولا نسينا
والتانية قلنا ولا رملاية فى رمالك.. عن القول والله ما سهينا.. هذه الأغنية الوطنية لم تُخلق لتُقال مرة واحدة، بل وُلدت لتبقى، لتعيش فى وجدان كل مصرى ومصرية يعشق تراب وطنه، وتحديدًا تلك الأرض التى تختصر معنى الصبر والانتصار: سيناء.
عند انطلاق هذه الملحمة الغنائية فى منتصف السبعينيات، لم يكن المصريون فى حاجة إلى خطابٍ مرتفع الصوت بقدر ما كانوا فى حاجة إلى نبرةٍ هادئة، تُعيد ترتيب المشاعر بعد سنوات من حرب الاستنزاف، وتُرمم الداخل قبل أن تُعلن الانتصار.
خرجت هذه الأغنية الملحمية الدافئة، أقرب إلى همهمةٍ طويلة بين الإنسان وأرضه؛ ليست أغنية تُسمع فقط، بل حالة تُستعاد. مثلما حدث معى بالأمس، حين أعادتنى إلى نفسى قبل أن تعيدنى إلى الذاكرة.
هذا العمل الغنائى الرصين، بصوت العندليب الذى لا يغيب مهما مرّ الزمان، وبكلمات الخال الكبير عبد الرحمن الأبنودي، وألحان كمال الطويل، لم يقدم سيناء كأرضٍ مستعادة فحسب، بل كجزءٍ من الروح عاد إلى مكانه الطبيعى فى الوعى الجمعى للمصريين.
حمل صوت عبد الحليم حافظ فى «صباح الخير يا سينا» نبرة إنسانية خالصة، بعيدة عن الاستعراض، قريبة من الاعتراف الهادئ بالانتماء، وكأن الغناء هنا ليس أداءً فنيًا فقط، بل شكلٌ من أشكال الإيمان بالوطن.
تبقى هذه الأغنية حاضرة فى المشهد الثقافى المصري، لا كذكرى عابرة، بل كلحظةٍ فارقة توثّق كيف يمكن للفن الأصيل أن يعانق الوطنية الصادقة، فى زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاء وتقلّ فيه النبرات النقية. إنها لحظة التقت فيها الموسيقى بالشعر والتاريخ، فحفظت إحساس أمةٍ كاملة وهى تستعيد صوتها، وتهمس لوطنها ببساطةٍ خالدة:
صباح الخير يا سينا.. تحيا مصر.






