الجمعة 5 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الطريق إلى يوم تحرير سيناء  فى إبريل 1982

الطريق إلى يوم تحرير سيناء فى إبريل 1982

فى أول اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم 19 أكتوبر 1970 برئاسة الرئيس السادات بعد تحمله مسئولياته كرئيس للجمهورية بعدة أيام، طالب القادة بإعداد خطة للهجوم تستهدف اقتحام القناة والاسيتلاء على خط بارليف وتحرير مساحة محدودة من أرض سيناء المحتلة بالإضافة إلى تكبيد العدو خسائر كبيرة فى الأرواح والمعدات، ثم قال وبعد النجاح فى إنشاء رءوس كبارى شرق القناة، تبدأ مرحلة الدفاع عن هذه الأرض المحررة وقبل أن يتساءل الحاضرون الذين كانوا يسمعون لأول مرة أن مصر تخطط لأول معركة هجومية ضد العدو، وماذا بعد؟ قال لهم :إن السياسة سيبدأ دورها بعد تحرير هذه المساحة المحددة من الأرض لتحرير باقى أراضى سيناء المحتلة.



كان الرئيس السادات يكشف ولأول مرة وبوضوح رؤية استراتيجية للحرب والسلام وكان واضحًا جدًا أن الرجل الذى تم الاستفتاء عليه كرئيس للجمهورية يوم 16 أكتوبر 1970، أن ما طرحه على المجلس الأعلى لم يبدأ التفكير فيه بعد تنصيبه رئيسًا، بل هو نتاج تفكير عميق استغرق وقتًا طويلًا حتى يتشكل كاستراتيجية واضحة المعالم والأبعاد، فالرجل استقر رأيه على خوض معركة هجومية لأول مرة فى تاريخ الصراع العسكرى المصرى - الإسرائيلى وقد حدد أهداف هذه المعركة وفقًا للإمكانيات المحددة التى تتوفر لمصر عسكريًا واقتصاديًا والمهم هنا أن الرجل كان واثقًا من قدرة القوات المسلحة على الانتصار فى هذه المعركة، وبعد الانتصار تبدأ مسيرة سلام لتحرير باقى سيناء المحتلة.

أى أن مسيرة الحرب والسلام كانت منهجًا لمشواره كرئيس للجمهورية.

وهكذا يمكن القول بوضوح: إن مسيرة السلام لم تتقرر بعد الحرب بل تقررت وتم الإعلان عنها لأول مرة خلال الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى عقد برئاسته يوم 19 أكتوبر 1970.

(2)

انطلقت معركة أكتوبر 1973 من عقالها يوم 6 أكتوبر فى كل من مصر وسوريا، وحققت مصر انتصارها العظيم فى هذه المعركة، وتأكدت إسرائيل من قدرة مصر على الانتصار فى ميدان القتال، وتأكدت أيضًا أن هناك قوات مسلحة مختلفة عن القوات التى سبق أن واجهتها فى معارك 1948، 1956، 1967، وأن هذه القوات التى انتصرت مرة يمكنها أن تنتصر مرة أخرى.

وفى هذه المعركة تعلمت إسرائيل الدرس لأول مرة بثمن فادح من الأرواح والمعدات وذاقت مرارة الهزيمة وفشل مخططاتها لمنع مصر من اقتحام القناة والاستيلاء على خط بارليف، باختصار لقد انكسرت نظرية الأمن الإسرائيلية.

وهنا نؤكد أن الرأى العام الإسرائيلى عرف ولأول مرة معنى الهزيمة، وتعلم أيضًا أن أى مواجهة عسكرية مع مصر سيكون لها ثمن فادح.

هذه النتائج الإيجابية لانتصار أكتوبر فتحت بابًا واسعًا للسلام ومن هذا الباب دخل الرئيس السادات لمواصلة مشوار تحرير أرض سيناء المحتلة، وكان الدخول من هذا الباب صاخبًا جدًا، فبجسارة يحسد عليها قرر زيارة إسرائيل والالتقاء بقادتها ومخاطبة برلمانها «الكنيست»، ومخاطبة الرأى العام الإسرائيلى مباشرة، وكان ذلك فى نوفمبر 1977.

وبهذه الزيارة لم تعد الأمور مثلما كانت من قبل، لقد اخترق السادات الرأى العام الإسرائيلى الذى أصبح يشكل ضغطًا على حكومته من أجل السلام، والأهم هنا أن كسب أرضًا هائلة ورصيدًا إيجابيًا عند الرأى العام الأمريكى، وبدأ الجميع ينظرون إليه كرجعل سلام وداعية له.

ولإدراكه أن الرأى العام فى كل من إسرائيل وأمريكا يعد من أهم أوراقه التفاوضية، فقد قرر أن يصطحب معه فى طائرته خلال رحلاته إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة كلًا من بربارة والترز التى تعد من أشهر المذيعات التليفزيونيات فى الولايات المتحدة، ووالتر كرونكايت الأشهر بين المذيعين.

وكانت أعمال النجمين التليفزيونيين من أهم دعائم حملته ومسيرته من أجل السلام.

وبعد مشوار ملىء بالعقبات والتوترات تم التوصل إلى اتفاقية سلام، وجرى التوقيع عليها فى كامب ديفيد بالولايات المتحدة عام 1979 وقد وقع عليها كل من الرئيس السادات ومناحم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلى وجيمى كارتر رئيس الولايات المتحدة، وقد نصت الاتفاقية على الانسحاب من كل سيناء المحتلة، وبدء مسيرة مفاوضات من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.

(3)

كانت مصر قد خاضت معركة أكتوبر 1973 بالاشتراك مع سوريا، كما أن الممكلة العربية السعودية كانت على رأس الدول التى قررت استخدام ورقة البترول فى المعركة، لذا قرر الرئيس السادات قبل أن يبدأ مسيرته نحو السلام التشاور مع العاهل السعودى الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس السورى حافظ الأسد.

ولم يتحمس الملك لمشروع السادات للسلام، أما الرئيس حافظ الأسد فقد أبدى اعتراضه عليه.

وفى نهاية المفاوضات بين السادات والأسد وبعد تبين حقيقة الرفض السورى للطريق الذى اختاره الرئيس السادات، قال السادات لحافظ الأسد بوضوح إنك ترفض أن نسير معًا نحو السلام مثلما سرنا معًا نحو الحرب، وهذا موقف أقدره وأفهم أسبابه ولكننى أرجو منك وبما أنك ضد هذا السلام ألا تكون خنجرًا فى ظهرى.

ولكن الرجل الذى وعد بألا يكون خنجرًا فى ظهر السادات قاد حملة ضارية ضد السادات ومصر، وبلغت قمة الحملة فى عقد قمة عربية فى بغداد عام 1979 انتهت إلى قرار بعزل مصر ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس.

وكان هناك مجموعة من العناصر القيادية السورية المؤيدة جدًا للرئيس حافظ الأسد قد اقترحت على الرئيس السورى تفجير طائرة السادات قبل إقلاعها من دمشق، إلا أن الرجل رفض وحال دون هذه المجموعة ووضع مخططها موضوع التنفيذ.

(4)

تضمنت اتفاقية السلام انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء على عدة مراحل، تكون آخرها فى إبريل عام 1982، فى هذا التاريخ تستعيد مصر كامل سيادتها على كل أرضها المحتلة.

ويسقط الرئيس أنور السادات شهيدًا يوم 6 أكتوبر 1981، فى يوم انتصاره وبين قادة جيشه المنتصر أثناء الاحتفال بعيد النصر، ويصبح حسنى مبارك نائب الرئيس رئيسًا للجمهورية.

لم يقدر للسادات أن يعيش ليرى أعلام مصر وهى ترتفع فى سماء سيناء التى تم تحريرها بالحرب والسلام، ورأت القيادة الإسرائيلية ممارسة المناورات لكى تعرقل إتمام الانسحاب ومحاولة الاستفادة مما جرى من تغيير على قمة السلطة، وكان تقديرها أن الرئيس الجديد سيحتاج إلى وقت لترسيخ سلطانه وطرحت عددًا من المبررات لتأجيل المرحلة الأخيرة من الانسحاب، ومن بين المطالب اقترحوا على الرئيس مبارك أن يزور إسرائيل للتفاوض حول هذه المرحلة الأخيرة.

ولكن الرجل الذى عاش تجربة اغتيال السادات بالمنصة وهو جالس بجواره وتمكن تجاوز كل الفوضى التى ترتبت على المؤامرة التى امتدت آثارها من المنصة إلى قسم شرطة أسيوط الذى هوجم وقتل كل من فيه، كان صلبًا جدًا فى مواجهة هذه المناورات والألاعيب الإسرائيلية وأصر أن يكتمل الانسحاب وفقًا لمعاهدة السلام ولم تنجح كل الضغوط فى تغيير موقفه أو فى النيل من صلابته، وتم الانسحاب فى الموعد المحدد.

وعادت أعلام مصر ترفرف فوق صواريها بسيناء.