دبلوماسية تكسير العظام
ابتهال مخلوف
دخلت الحرب «الأمريكية - الإسرائيلية» ضد إيران مرحلة «تكسير العظام» عبر نفق الدبلوماسية الغامض، فى حين تنشط محادثات إقليمية بين إيران وسلطنة عمان وروسيا، لكن السؤال المطروح الآن هل يعود المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون لطاولة محادثات السلام مرة أخرى؟ وما هى أوراق الضغط المطروحة فى المفاوضات إن تجددت؟، خاصة بعد أن تضاءلت آمال تحقيق انفراجة فى المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأسبوع الماضى، وسط شعور متزايد بالجمود فى الصراع المستمر منذ شهرين تقريبًا، على الرغم من النشاط الدبلوماسى الإقليمى المكثف، ما يعكس عدم رغبة الجانبين فى تخفيف حدة الخطاب أو تقديم تنازلات لإنهاء الحرب.
وكان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، قد ألغى زيارة مبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لإسلام آباد، حيث كان من المقرر أن يشارك المبعوثان فى جولة ثانية من المحادثات مع إيران، لكن القرار جاء بعد أن أعلنت إيران أنها لن تحضر أى محادثات مباشرة، فى حين فرضت واشنطن حصارًا على جميع السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.
وذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية، أن الدبلوماسية تجرى فى وضع معقد، حيث تحولت العمليات العسكرية من البر للبحر فى اختبار للقوة، يعتقد فيه كل طرف أن الوقت يلعب لصالحه، إذ يسعى الطرفان لإثبات قدرتهما على فرض حصارعلى مضيق هرمز بفعالية أكبر من الآخر، وتحول الأمر لشكل من أشكال دبلوماسية القوة، فى أعماق أهم ممر مائى جيوسياسى فى العالم.
وتابعت: «تسعى إيران، من خلال إطلاق النار على السفن التجارية التى تحاول الإبحار فى المضيق ومصادرتها، إلى إثبات سيطرتها الخانقة على الاقتصاد العالمى، أما أمريكا فتسعى، عبر حصارها للموانئ الإيرانية، إلى تدمير إيران اقتصاديًا، إذ ينفد مخزون طهران من النفط الذى تنتجه ولا تستطيع تصديره بسبب الحصار».
فيما أكد غلام حسين محسنى إجائى، رئيس القضاء الإيرانى: «العدو ليس فى وضع يسمح له بتحديد جدول زمنى لنا».
من جانبه، حذر وزير الخزانة الأمريكى، سكوت بيسنت، إنه فى غضون أيام «ستمتلئ مخازن جزيرة خارك، التى يمر عبرها 90% من صادرات النفط الإيرانية، وسيتم إغلاق آبار النفط الإيرانية لتعطل الإنتاج بشكل دائم بمقدار نصف مليون برميل يوميًا.
حراك إقليمى
وفى موسكو بعد لقائه الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، رحب وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى بدعم موسكو للجهود الدبلوماسية، من أجل التوصل لحل يوقف الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، مشيدا بمتانة العلاقات بين البلدين.
وشدد «عراقجى» فى منشور على حسابه فى إكس، على أن الأحداث فى الآونة الأخيرة أظهرت عمق شراكة البلدين الاستراتيجية.
واقترحت روسيا مرارا تخزين اليورانيوم المخصب الإيرانى باعتبارها وسيلة لتهدئة التوتر، وهو اقتراح رفضته الولايات المتحدة، كما زار الوفد الإيرانى العاصمة العمانية مسقط وأجرى محادثات مع السلطان «هيثم بن طارق» سلطان عمان.
مقترح إيرانى وتشكك أمريكى
على صعيد عودة المفاوضات الجامدة، نفى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مزاعم رغبته الشديدة فى إنهاء الحرب مع إيران، مؤكدًا على موقع «تروث سوشيال» أنه «ربما يكون أقل شخص يتعرض لضغوط فى تاريخ هذا المنصب»، وأن لديه «متسعًا من الوقت».
وقدم المفاوض الإيرانى مقترحًا ينص على تأجيل مناقشة البرنامج النووى إلى حين انتهاء الحرب وتسوية الخلافات المتعلقة بالشحن البحرى من مضيق هرمز.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن الرئيس الأمريكى أبدى تشككا إزاء المقترح الإيرانى الأخير لإنهاء الحرب، حيث أعرب عن شكوكه بشأن نوايا القيادة الإيرانية، واشترط فتح مضيق هرمز من دون قيود أو رسوم.
الملف النووى حجر عثرة
يذكر أن الملف النووى كان «حجر عثرة» أمام نجاح جولة المحادثات التى جرت فى العاصمة الباكستانية إسلام آباد مطلع أبريل، والتى جمعت وفداً أمريكياً برئاسة نائب الرئيس الأمريكى، جيه دى فانس، مع وفد إيرانى برئاسة رئيس البرلمان الإيرانى، محمد باقر قاليباف، دون إحراز أى تقدم ملموس نحو التوصل إلى اتفاق، فقد انهارت المحادثات بعد رفض إيران الاستجابة للمطالب الأمريكية بإنهاء تخصيب اليورانيوم وتسليم 440 كيلوجراماً من اليورانيوم عالى التخصيب.
وذكر موقع «بوليتيكو» الأمريكى، أن ترامب غير مستعد بجدية للالتزام بالدبلوماسية مع إيران، فهو يفضل استخدام القوة العسكرية، مستدركًا أنه فى مرحلة أن التداعيات الاقتصادية العالمية التى تلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكى وسمعة البلاد، قد تجبر إدارة ترامب على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
سيناريوهات المفاوضات
ويطرح موقع «بوليتيكو» عدة سيناريوهات على الإدراة الأمريكية مواجهتها إذا قرر الرئيس الأمريكى خوض مفاوضات جادة لإنهاء الحرب.
أولًا: هل ترامب مستعد لقبول اتفاق يتضمن بقاء نظام الملالى فى السلطة؟، حيث أشار التحليل إلى أنه رغم مزاعم «ترامب» بين الحين والآخر بأنه غير النظام بالفعل، فمن الواضح أن الهجمات العسكرية «الأمريكية _الإسرائيلية» فشلت فى إزاحة النظام الحاكم فى إيران ولم يقم المواطنون الإيرانيون بانتفاضة خلال القصف، كما أن النظام الحالى فى إيران لا يزال يمتلك ورقة ضغط حساسة هى إغلاق مضيق هرمز، وقد تجبر الضغوط الداخلية فى الولايات المتحدة مع انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر المقبل المفاوض الأمريكى على القبول بالتفاوض مع إيران دون تغيير النظام.
ثانيًا: تحديد الحد الأدنى من الالتزامات المطلوبة من طهران، أى هل سيقبل ترامب اتفاقاً يشمل طموحات إيران النووية دون برنامجها للصواريخ الباليستية أو دعمها للميليشيات المسلحة فى المنطقة؟ وماذا عن مستقبل المضيق؟، حيث يحذر «بوليتيكو» من عدم إغفال المفاوضين للتفاصيل الكيفية والزمان والمكان لتجنب النكوص عن الاتفاق مستقبلًا.
ثالثًا: على المفاوض الأمريكى دراسة جوانب الاتفاق النووى الذى أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما مع إيران عام 2015، والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة وقبول الدور المحورى للوكالة الدولية للطاقة الذرية لإنجاح أى اتفاق نووى بين الجانبين.
ويؤكد داريل كيمبال، المدير التنفيذى لجمعية الحد من التسلح، أن الوكالة بالغة الأهمية للتحقق من التزام إيران بتعهداتها النووية وتم ذكرها فى الاتفاق مع إدارة أوباما أكثر من 100 مرة.
وأخيرًا، ما نوع التنازلات التى ترغب إدارة ترامب فى تقديمها لإيران؟، ومن غير المرجح أن توافق إيران على أى اتفاقية دون أن تقدم أمريكا بعض التنازلات بشأن رفع العقوبات الاقتصادية ضد طهران، وقد تطالب إيران إضفاء الطابع الرسمى على الاتفاق كمعاهدة، لضمان عدم انسحاب ترامب أو أى رئيس آخر منه مستقبلًا.
ويوصى التحليل المفاوض الأمريكى، بالتخلى عن نزعة الدبلوماسية الانفرادية، ولابد أن تستشير الأطراف الجيوسياسية الأخرى، التى تؤثر على إيران، ومنها روسيا والصين، و على سبيل المثال إذا وافقت إيران على تسليم اليورانيوم عالى التخصيب، فقد تكون روسيا الخيار الجدى الوحيد لقبوله.






