اشرف ابو الريش
سيناء على خطى المستقبل
كنتُ وما زلتُ أعشق تلك اللحظة التى تسطع فيها شمس الضحى على رمال سيناء الحبيبة، بعد أن نعبر الأنفاق تحت مياه قناة السويس. فى تلك اللحظة تتبدل الروح وينسجم الجسد مع الهواء العليل المحمّل برائحة المسك والزعفران.
هنا، على هذه الأرض الطاهرة، بزغ نور الله عز وجل. هنا خطا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رحلته المباركة ليلة الإسراء والمعراج.. هنا شُفى أيوب من ابتلائه الطويل.. هنا تسكن الأرواح الطاهرة والأجساد الطيبة التى دافعت عن حدودنا الشرقية.. هنا قدم المصريون من الوادي، وكانوا يعتقدون أن أرض سيناء سجن كبير، فاكتشفوا أنهم فى جنة النعيم.
الأسبوع الماضى حمل أخبار الزيارة المرتقبة للمهندس مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إلى شمال سيناء، وفق توجيهات رئاسية بضرورة الإسراع فى معدلات التنمية للمشروعات الكبرى فى سيناء. ويأتى فى مقدمة المشروعات الاستراتيجية بعيدة المدى مشروع سكك حديد القنطرة - العريش - طابا، وهو مشروع يحمل تاريخًا خفيًا عن كثيرين، نحتاج إلى توضيحه فى هذا التوقيت.
فى إحدى زياراتى لمدينة العريش فى الصيف قبل الماضي، ومن عاداتى أن أسكن فى أحد الفنادق بالقرب من شاطئ البحر، وأحب أن أتجول فى الشوارع الرئيسية والجانبية للمدينة. عند مرورى بجوار المسرح الصيفى للمدينة، اكتشفت بضعة أمتار من خط سكك حديد العريش مطمورة على جانب الطريق بعد عمليات رصف متكررة لهذا الشارع الفاصل بين شاطئ البحر والمدينة.
أصل فكرة سكة حديد القنطرة - العريش - طابا يرجع إلى مطلع القرن العشرين، حين تحولت سيناء إلى ساحة استراتيجية كبرى خلال الحرب العالمية الأولى. عام 1916 أنشأت القوات البريطانية خطًا حديديًا عسكريًا انطلق من القنطرة شرق، ممتدًا عبر شمال سيناء إلى العريش ثم رفح، بهدف دعم العمليات العسكرية شرق قناة السويس ومواجهة التمدد العثمانى، لم يكن الخط مشروعًا تنمويًا، بل أداة لوجستية حاسمة فى إدارة الحرب، قبل أن يتراجع دوره بعد انتهائها ويُهمل تدريجيًا، تاركًا وراءه فكرة لم تمت: أن سيناء لا تُربط بالوطن إلا عبر العمران والحركة المستمرة.
مع قيام ثورة يوليو 1952، عادت الدولة لتستدعى هذا التصور من جديد، باعتبار السكك الحديدية وسيلة لدمج سيناء فى الجسد الاقتصادى والاجتماعى للدولة المصرية، غير أن تعقيدات الإقليم، ثم عدوان 1967، أوقفا أى امتداد حقيقى شرقًا، لتدخل سيناء مرحلة العسكرة الكاملة، ويتراجع مشروع التنمية لصالح أولوية استعادة الأرض.
جاء نصر أكتوبر 1973، يحمل الأمل من جديد لتعمير هذه البقعة المقدسة، بدأت مرحلة إعادة الإعمار، فعادت فكرة السكة الحديد رمزًا للعودة والاستقرار، وتم مد خط القنطرة شرق - بئر العبد ضمن رؤية لربط سيناء بالوادي. كان القطار فى تلك المرحلة أكثر من وسيلة نقل،و كان إعلانًا عمليًا بأن سيناء عادت إلى الحياة بعد الحرب، رغم أن الامتداد شرقًا ظل محدودًا بفعل ظروف أمنية واقتصادية متلاحقة.
وفى التسعينيات وبداية الألفية، توقف الزحف الحديدى عند بئر العبد، وبقيت مشروعات التمدد إلى العريش وطابا فى نطاق الدراسات، حتى دخلت الألفية الجديدة، وفكر الجمهورية الجديدة ووعى القيادة السياسية، بواقع جديد من التحديات، خصوصًا بعد عام 2011، حيث تعطلت الحركة وتعرضت بعض البنية للتلف، لتغيب السكة الحديد عن المشهد السيناوى فترة طويلة.
مع بداية عام 2014، تغيرت الرؤية جذريًا، فلم تعد سيناء مجرد حدود، بل أصبحت محورًا للتنمية والأمن القومى فى آن واحد، خاصة أن العدو أظهر لنا أن تلك الأرض لا يمكن أن تغيب عن عينيه، فدفع بالمئات من المرتزقة من كل حدب وصوب، لكى يحاولوا زرع أنفسهم فى أرض سيناء، فكان ما كان من رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة، أن دفنوهم أحياء ، وطهروا أرض الله من رجزهم.
مع انطلاق مشروعات الأنفاق والطرق والمدن الجديدة وإعادة توزيع العمران، وإصرار الدولة المصرية أن تعمر سيناء بالمصريين، برز من جديد مشروع القنطرة - العريش - طابا كأحد أهم مشروعات الربط الاستراتيجي، بما يحقق اتصال سيناء الكامل بالشبكة القومية للسكك الحديدية، ويدفع بها نحو تنمية عمرانية واقتصادية ممتدة حتى خليج العقبة.
لا يبدو المشروع مجرد خط حديدى جديد، بل إعادة صياغة للعلاقة التاريخية بين الدولة وأرضها الواقعة فى البوابة الشرقية، بنظرة جديدة للأمور تتحول سكك حديد العريش من أثرٍ عسكرى قديم إلى شريان حياة يعيد لسيناء موقعها الطبيعى، قلبًا ممتدًا داخل الجغرافيا المصرية، لا هامشًا على أطرافها.
الدول المصرية فى هذا التوقيت لا تكتفى باستعادة الأرض، بل تعيد إدخالها فى حركة التاريخ وسيناء، التى دفعت مصر ثمنها دمًا وصبرًا وعرقًا، لم تكن يومًا مجرد جبهة عسكرية، بل كانت دائمًا سؤالًا مؤجلًا عن المستقبل.
لسنوات طويلة ظل الشرق المصرى حاضرًا فى خرائط الأمن أكثر مما كان حاضرًا فى خرائط التنمية. واليوم، مع عودة الحديث الجاد عن سكة حديد القنطرة - العريش - طابا، يبدو أن الدولة المصرية تحسم أخيرًا معادلة ظلت معلقة لعقود لا أمن بلا عمران، ولا سيادة كاملة بلا حياة يومية مستقرة فوق الأرض، فالسكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل، إنها إعلان دائم للاستقرار. حيث تصل القضبان يستقر الناس، وتنشأ المدن، وتتحول الحدود من أطراف بعيدة إلى قلب نابض للدولة.
القطار المتجه إلى سيناء هذه المرة لا يحمل ركابًا فقط، بل يحمل تصورًا جديدًا لمصر نفسها دولة تتحرك شرقًا بثقة، وتعيد توزيع العمران والسكان والثروة، وتكتب فصلًا جديدًا من الجغرافيا الوطنية، وحين يصل خط سكك حديد العريش إلى طابا، تبدأ مرحلة جديدة فى زمن الجمهورية الجديدة، تعد فيه سيناء أرضًا نذهب إليها، بل جزءًا حيًا لا ينفصل عن جسد الوطن.
تحيا مصر






