د.عزة بدر
أسرار الموسيقى العربية بلغة الأدب
ما قرأت وصفًا أدبيًا للموسيقى العربية ومقاماتها أجمل مما كتبه جبران خليل جبران عن الموسيقى بلغة الأدب، وهذه المقالة النادرة نشرت فى كتاب «الهلال» عدد مارس 1954، وفيها وصف إحساسه بالمقامات الموسيقية العربية ليقِّرب إلى عواطفنا وأذهاننا هذا الفن الساحر العميق.
عاش جبران فى أمريكا واحدا وثلاثين عاما، ولم يعش فى لبنان غير سبعة عشر عاما إلا أنه ارتبط بالشرق، وتدفق حبا للموسيقى والألحان العربية، ووصف مقاماتها بشكل لا يُنسى فيقول عن لغة الموسيقى: «لغتها ليست كاللغات، فهى تحكى ما يكن القلب للقلب، وهى حديث القلوب وهى كالحب عَمَّ تأثيرها الناس».
ويصف المقامات الموسيقية العربية بما يجعل الأفئدة تصبو إليها، والآذان تهفو وتصغى لها عن فهم ومحبة، فيكتب عن مقامات: «النهاوند»، و«الأصفهان»، و«الصبا» و«الرصد» و«العتابا» قائلا: «النهاوند» يمثل تفريق المحبين، ووداع الوطن، ويصف آخر نظرة من راحل عزيز، يمثل شكوى آلام مبرحة بين ضلوع قوامها لظى الشوق، «النهاوند» صوت من أعماق النفس الحزينة، نغم متجسم من مهجور يسأل عطفا على رمقه قبل أن يضنيه البعاد، زفرات يائس أنشأتها المرارة، وتنهدات قانط بثتها لوعة من أتلفه الصبر والتجلد، «النهاوند» يمثل الخريف، وتساقط أوراق الأشجار المصفرة بسكينة وهدوء، وتلاعب الريح بها، وتفريق شملها، «النهاوند» صلاة والدة نأى ابنها إلى أرض بعيدة فباتت بعده تغالب النوى فيهاجمها بعوامل اليأس وتصده بفواعل الصبر والأمل، وفى «النهاوند» معنى بل معان وأسرار، يفهمها القلب، وتفقهها النفس، أسرار يحاول بثها اللسان، وكشفها القلم، فيجف هذا، وتنقطع أوصال ذاك.
ويصف مقام «الأصفهان» فيقول: «شاهدت بعين سمعى آخر فصل من حكاية عاشق دنف، مات حبيبه فتقطعت عُرى آماله وتواصلت زفراته فهو ينوح بآخر ما فى جسده من الحياة، ويرثى ببقايا ما فى حياته من الرمق، «الأصفهان» آخر نفس من منازع واقف فى مركب الموت، بين شاطئ الحياة، وبحر الأبدية «الأصفهان» رثاء الذات بغصات متقطعة متواصلة، وتنهدات عميقة، نغمة صداها سكينة تُمازحها مرارة الموت والأسى، وحلاوة الدمع والوفاء، وإن كان «النهاوند» حنين من يحيا ببعض الأمل، فالأصفهان أنين من انفصمت عُرى آماله.
ووصف جبران مقام «الصبا» كفرحة تأخذ بمجامع القلوب فيقول: (ونسمع «الصبا» فتستفيق منا قلوب حجبتها لحن الغم، وتستيقظ وترقص بين الضلوع، فالصبا نغمة فرح تُنسى المرء أتراحه فيطلب الراح، ويشربها بلذة غريبة، ويستزيد منها كأنه يعلم أن خمرة المسرة تسابقها، «الصبا» حديث محب مغتبط صارع الدهر، وأرغم أنف البين، وأسعدته الليالى بخلوة فحظى بلقاء محبوبة جميلة، فى حقل بعيد، فأولاه اللقاء فرحا وابتهاجا، الصبا كنسيمات الصبا، تمر فتهتز لها أزاهر الحقل تيها وابتهاجا).
أما «الرصد» فيراه «جبران» وقع فى المشاعر يُحاكى تأثير كلمات رسالة جاءت من عزيز غال، انقطعت أخباره فى بلاد بعيدة، فجاء الكتاب يُحيى عاطفة الأمل، ويَعدُ النفس باللقاء، وكأنى بمغنى «الرصد» يخبر بقرب الفجر، واندحار الظلام، وقد قيل «إن جهز ليلك فارصد».
وكان حنينه للعتابا عميقا آسرا فيقول: وفى «العتابا» البعلبكية عتاب رقيق، يُراوح بين اللوم والتعنيف، ولحنها مزيج من «النهاوند» المؤثر، والصبا المُفرح، وفعلها فى النفس فعلهما.
ويختتم «جبران» مقالته عن الموسيقى العربية ومقاماتها بشكل مؤثر، وبصور جمالية فريدة تستأثر بالنفس، ويطرب لها الوجدان فيقول: (والآن أرانى، وقد كتبت هذه الصفحات كطفل ينسخ كلمة من نشيد طويل، غنته الملائكة عندما جبل الله الإنسان الأول، أو كأمى يستظهر جملة من كتاب وضعته الحكمة على صفحات المشاعر قبيل ابتداء الدهر، فيا أيتها الموسيقى «يا أوتربى» المقدسة - عروس آلهة الموسيقى عند قدماء اليونان - لقد رقصت أخواتك الفنون فيما غبر من الأجيال زمنا، ووضعن فى معاقل النسيان آخر، وأنت تهزئين بهن، ولم تتنازلى عن مسرح النفس يوما واحدًا، فكأنك صدى القبلة الأولى التى وضعها آدم على شفتى حواء، صدى له صدى له صدى، تتناقل، وتتناسخ، وتكتنف الكل، وتحيا بالكل، يلذ لعمالها عملهم، ويفرح الغير، الموهوب من مكارمها يسمعه، يا ابنة النفس والمحبة، يا إناء الغرام وحلاوته، يا خيالات القلب البشرى، يا ثمرة الحزن، وزهرة الفرح).
ويذهب كاتبنا فى وصفه الشعرى، كما لو كان يقدم لنا قصيدة غزلية فى الموسيقى فيدعو إلى تكريم مؤلفيها فى الشرق والغرب، ويذكر من مصر: عبده الحمولى أشهر الموسيقيين فى زمنه فيقول: يا رائحة متصاعدة من طاقة زهور المشاعر المضمومة، يا لسان المحبين، ومذيعة أسرار العاشقين، يا صائغة الدموع من العواطف المكنونة، يا موحية الشعر ومنظمة عقود الأوزان، يا موحدة الأفكار من نتف الكلام، ومؤثرات الجمال، يا خمرة القلوب الرافعة شاربها إلى أعالى عالم الخيالات، يا مشجعة الجنود، ومطهرة نفوس العابدين، يا أيتها التموجات الأثيرية الحاملة أشباح النفس، ويا بحر الرقة واللطف، إلى أمواجك نسلم أنفسنا، وفى أعماقك نستودع قلوبنا فاحمليها إلى ما وراء المادة، وأرينا ما تكنه عوالم الغيب).
ثم يقول: (كرموا يا سكان الأرض كهنتها وكاهناتها، وعيِّدوا لذكر خدامها، وشيّدوا لهم التماثيل)، ويُعظّم ذكر بيتهوفن، وفاجنر وموزار، ومن سوريا: باسم شاكر الحلبى، ومن مصر: عبده الحمولى، ويرى أنهم أولئك الذين بثوا فى سماء الكون أنفسهم، وملأوا الهواء أرواحًا لطيفة، وعلموا الإنسان أن يرى بسمعه، ويسمع بقلبه.






