للعام الثالث على التوالى..غزة دون حج ولا أضاحى
نورالدين أبوشقرة
في كل عام، كانت أسواق غزة تستيقظ مبكرًا قبل عيد الأضحى بأسابيع. أصوات الباعة تختلط بثغاء الأغنام، والأطفال يركضون بين حظائر المواشي، بينما تنشغل العائلات بالاستعداد لأيام طالما ارتبطت بالفرح واللمة ورائحة الأضاحي.
لكن هذا العام، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا، إذ يحل عيد الأضحى على قطاع غزة وسط واحدة من أقسى المآسي الإنسانية التي يعيشها القطاع، بعدما حوّلت الحرب والحصار العيد إلى مناسبة يغلب عليها الصمت والحزن. فبدلًا من مظاهر الاحتفال المعتادة، يستعد السكان لأداء صلاة العيد بين الأنقاض، في وقت باتت فيه الأضحية حلمًا بعيد المنال لمعظم الأسر.
وكان المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية قد أعلن أن أول أيام عيد الأضحى لعام 1447 هـ يوافق الأربعاء 27 مايو 2026، إلا أن العيد في غزة يأتي هذا العام بلا زينة، ولا أسواق مكتظة، ولا موائد عامرة كما اعتاد السكان لسنوات طويلة.
شحٌ حاد في المواشي، ونقص كبير في الأعلاف، وقيود مشددة على دخول الحيوانات الحية إلى القطاع؛ جميعها عوامل دفعت بأسعار الأغنام والعجول إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل انهيار اقتصادي خانق جعل آلاف الأسر تعتمد بالكامل على المساعدات الإنسانية.
وبحسب بيانات سابقة لوزارة الزراعة في غزة، شهد موسم عيد الأضحى عام 2023 ذبح نحو 17 ألف رأس من العجول و24 ألف رأس من الأغنام، فيما بلغ عدد الأسر التي قدمت الأضاحي قرابة 130 ألف أسرة، أي نحو 28% من سكان القطاع آنذاك.
أما اليوم، فقد اختفت هذه المشاهد تقريبًا، بعدما فقد القطاع جزءًا كبيرًا من ثروته الحيوانية نتيجة القصف ونفوق المواشي ونقص الرعاية البيطرية والأعلاف.
وفي السنوات الماضية، كانت المؤسسات الخيرية المحلية والدولية تنفذ مشاريع واسعة لتوزيع لحوم الأضاحي على الأسر الفقيرة والنازحين، حيث كانت آلاف العائلات تنتظر موسم العيد للحصول على حصص من اللحوم تساعدها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. أما الآن، فقد أصبحت المساعدات المحدودة هي البديل الوحيد لدى كثير من الأسر.
ويرى أستاذ العلوم السياسية أسامة شعث أن غياب الشعائر الدينية والاجتماعية عن سكان غزة للعام الثالث على التوالي يضاعف من الآثار النفسية للحرب، خصوصًا لدى الأطفال الذين نشأ كثير منهم وسط مشاهد القصف والنزوح والحرمان.
ويؤكد شعث أن تدمير مساحات واسعة من القطاع، إلى جانب استمرار منع إدخال المواشي عبر المعابر، خلق حالة من الانعدام شبه الكامل للأغنام والعجول داخل غزة، ما جعل إقامة شعيرة الأضحية أمرًا شبه مستحيل حتى بالنسبة لبعض القادرين ماديًا.
وفي شمال القطاع، وتحديدًا بمنطقة الزهراء، يصف النازح أشرف مغازي واقع العيد هذا العام بأنه “الأصعب على الإطلاق”، قائلًا إن الحرب حوّلت الأضحية من شعيرة دينية ينتظرها الناس كل عام إلى حلم بعيد المنال.
وبين ركام المنازل وخيام النزوح، تبدو ملامح العيد باهتة. لا أسواق مزدحمة، ولا ملابس جديدة، ولا أصوات فرح كما كان يحدث سابقًا. وحدها التكبيرات ترتفع من بين الدمار، بينما يحمل الغزيون حسرتين معًا؛ حسرة على شعائر غابت، وأخرى على حياة كانت، رغم الحصار والفقر، قادرة على صناعة الفرح ولو لأيام قليلة.






