أيمن عبد المجيد
تأملات فى رحلة الروح إلى رب البيت العتيق
اختلطت بداخلى مشاعر يرتجف القلم عند خطها، فيض من تفاعلات الروح والنفس والعقل والجسد عندما قدر الله سبحانه وتعالى لى تلبية نداء أبينا إبراهيم، تنفيذًا لأمره: «وأَذِّن فى النَّاس بالْحَجِّ».
إنها رحلة الروح إلى الله خالقها خالق كل شىء، الطريق إلى البيت العتيق، ليس مجرد سفر بالجسد، تنقل بين المناسك وأداء العبادات، بل رسائل ودلالات، ذات سياقات زمانية ومكانية، لها دروسها ومقاصدها الشرعية، تلخص رحلة الإنسان فى الحياة، وصراعه مع النفس والشهوات والشيطان.
رحلة تطهر واغتسال من دنس الذنوب والآثام، للميلاد من جديد، لكنه ليس ميلاد الطفولة بل ميلاد ما بعد التجربة والإدراك، سعيًا لمستقبل أكثر نقاءً.
لا أدعى أننى فقيه فى الدين، ولا فيلسوف، بيد أننى أُعمل عقلى طاعة لأمر الله الذى أمرنا بالتفكر فى أكثر من موضع فى كتابه الكريم قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿١٧٦ الأعراف﴾، صدق الله العظيم.
كانت رحلتى الأولى إلى البيت العتيق بنية العمرة والحج عام 2016، وما أعظمها من رحلة إلى الله فى خدمة وصحبة والدتى منحها الله الصحة والعافية، فى تلك الرحلة كانت التأملات، فى كل ركن وشعيرة من شعائر الحج.
لم تكن التلبية بالنسبة لى مجرد مفردات تعبدية، «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك»، بل بداية الحكاية.
من يأخذ الأمور بالمنطق العقلى، قد يتساءل كيف لصوت سيدنا إبراهيم خليل الرحمن أن يصل للناس فى كل فج عميق، وهو فى وادٍ غير ذى زرع، لكنه أطاع أمر خالقه، فتولى الله البلاغ، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذِّن فى النَّاس بالْحَجِّ يَأْتُوكَ رجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامر يَأْتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ «الحج آية 21».
وها هى الملايين تأتى فى ذى الحجة من كل عام، مُلبية لنداء سيدنا إبراهيم: إن الله قد اتخذ بيتًا ويأمركم بحجه، فلبى كل من أسمعه الله النداء من الأحياء ومن هم فى الأرحام وفى الأصلاب إلى يوم الدين.
«لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك»، من هنا تأتى تلبية مليارات البشر، منذ رفع سيدنا إبراهيم وابنه نبى الله إسماعيل -عليهما السلام- القواعد من البيت وإلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.
دعوة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وتلبية من كتب الله لهم الاستطاعة، يأتون من كل فج عميق، ففى مناسك الحج، ترى جميع الأجناس والألوان واللغات من كافة البلدان والقارات، جميعهم يلبى النداء لبيك اللهم لبيك.
كان سيدنا إبراهيم فتى، يبحث عن الله، ساءه ما رآه من عبادة قومه ببلاد الرافدين ببابل للأصنام، فقرر تحطيمها وفعل تاركًا كبيرهم، وعندما سألوه: ﴿قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ فأجابهم متهكمًا: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾. «الأنبياء الآيتان 62-63».
حاول قومه الانتقام، جمعوا الحطب وأشعلوا نيرانًا تصهر الحديد، وألقوه بداخلها، فكان أمر الله للنار بالتجرد من خصائصها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ «الأنبياء آية 68». فنجى الله نبيه بمعجزة ليواصل حمل الرسالة.
أمر الله نبيه أن يذهب إلى واد لا زرع فيه ولا ماء، فأطاع.. قال تعالى ﴿ربَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ «إبراهيم آية 37».
هناك فى هذا الوادى عند بيت الله المحرم، ترك سيدنا إبراهيم أمنا هاجر، المصرية، أم نبى الله إسماعيل، تركها ثقة فى الله الذى أمره، ومعها رضيعها، هرولت بين جبلى الصفا والمروة بحثًا عن الماء، مهرولة، ذهابًا وإيابًا، بينما الماء كان ينتظر أمر الله ليتفجر من بين قدمى الرضيع، فإذا بها تحيطه «زم زم »، فكانت بئر وماء زمزم.
وهنا تتواصل الحكاية.. مناسك الحج الأعظم:
عندما ارتديت الإحرام للمرة الأولى، تساءلت ترى ما هى الرسالة التى أراد الله أن ندركها؟ لعلها رمزية التحرر من زينة الحياة الدنيا، تحرر من عبادة المال الذى يشغلنا عن العبادة، والزينة التى نتفاخر بها، فهنا فى رحلتنا إلى الله ضيوفًا فى البيت العتيق، الملابس الرسمية حددها المضيف، الجميع فيها متساوون غنى وفقير، كبير وصغير، الإحرام موحد لكل عباد الرحمن القادمين من كل فج عميق.
ولعلها تذكرة للنفس والجسد، بيوم تلتف الساق بالساق، ويحمل الجسد فى قطعة من القماش الأبيض غير المخيط «الكفن»، إلى المستقر الأبدى، وقد سبقته النفس المطمئنة راجعة إلى ربها.
ولم لا؟! فمن انتوى الحج يغتسل ويتطهر، ويتطيب قبل ارتداء الإحرام، والمغادر لدار الفناء يغسل، لكن فرق بين أن تغسل جسدك وتتطهر بنفسك، وأن يغسلك آخرون، وهنا الرسالة، تطهر واغتسل من ذنوبك بالتوبة قبل أن تغسل، يصلى المحرم بينما لا يستطيع الميت لنفسه نفعًا بعد مغادرة الروح والنفس للجسد.
قبل الإحرام قرأت عن أركان الحج، وشروط صحته، وما يمكن أن يبطله، وهنا تساءلت وسبحت بعقلى، لماذا يحرم على المحرم أن يقص أظافره، أو شعره، أو أن يصطاد أو يأكل من صيد، أو حتى يقتل حشرة.
لعل الله، أراد أن يهذب النفس، يكف أذى الإنسان، حتى عن نفسه، فشعره آمن، وحتى أظافره آمنة، كل الكون آمن لا طير ولا حيوان مهدد بصيد، إن من يذهب فى تلك الرحلة بروحه إلى الله، يحميه الله ويحمى خلقه مما كان منه قبل الإحرام: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ﴾. «سورة البقرة آية 197».
لحظة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة إلا بالرحيل من هذه الدنيا، تلك التى رأت فيها عيناى للمرة الأولى، جبال مكة المكرمة، رائحتها ونسيم البيت العتيق، هنا يتداعى إلى الذاكرة فجر الإسلام، نبى الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، غار حراء، نزول الوحى، الجهاد لنشر الرسالة، الهجرة ثم فتح مكة.
فى هذه الطرقات نشأ وتربى خاتم الأنبياء والمرسلين، أسلم أبو بكر وعلى وعمر، وغيرهم من آل البيت والصحابة المكرمين، وعلى خطى الأنبياء والمرسلين والتابعين نسير.
كلما اقتربت من الحرم المكى وظهرت مآذنه، خفق قلبك واشتاقت وعيناك لرؤية البيت العتيق حتى تأتى اللحظة الحاسمة، تختلط فيها الفرحة بدموع الشكر لله، تلبى وتدعو النفس للبيت العتيق: «اللهم زد هذا البيت العتيق تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً، واجعله مثابة وأمنًا لمن زاره حاجًا أو معتمرًا».
فى تلك البقعة المباركة، من الأرض، أمر الله سيدنا إبراهيم أن يذهب بزوجته وابنه إسماعيل، كان واديًا غير ذى زرع، فعُمر بدعوة إبراهيم، ورفع بأمر الله قواعد البيت، فنبى الله إسماعيل الذى كان طفلًا، عندما نبع ماء زمزم بين قدميه، بات فتى يساند والده فى رفع قواعد البيت العتيق.
هذا البيت الذى وضعت الملائكة بأمر ربها قواعده قبل أن يخلق آدم، يطوف المعتمرون والحجاج حوله سبعة أشواط.
وهنا التأمل لماذا سبعة أشواط تحديدًا، وهنا يبرز سر الرقم 7، فالسماوات سبع، والأراضين سبع، وأبواب الجنة سبع، بل ما نلمسه فى الكون ألوان الطيف سبعة، أيام الأسبوع سبعة، ودرجات السلم الموسيقى سبع، والسعى بين الصفا والمروة سبعة والجمرات فى كل رمية سبعة.. قطعًا هناك سر فى هذا الرقم يعلمه الله سبحانه وتعالى.
عندما تطوف تشعر براحة واغتسال من كل هموم الدنيا، لا يشغلك إلا الذكر والعبادة والدعاء والرجاء فى رحمة الله، تدرك أن طوافك ليس حول أحجار، بل طاعة لأمر الله «اللهم إيمانًا بك وتصديقًا لكتابك واتباعًا لنبيك»، هكذا مع كل شوط يبدأ بالإشارة إلى الحجر الأسعد.
ذلك الحجر الذى حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة على عباءته لتحمل كل قبيلة طرفًا من ثوبه لإنهاء خلاف نشب بينهم على من يتشرف بوضعه فى مكانه، فكانت حكمة النبى.
سر غريب فى الطواف، لعل تلك النقطة تحت عرش الرحمن، وعقب السبعة أشواط، نصلى ركعتين إلى جوار مقام سيدنا إبراهيم حيث وقف لرفع قواعد البيت.
عندما كنت أنظر إلى كبار السن من شتى بقاع الأرض، وقد انحنت ظهورهم، يهرولون مكبرين ملبين، أشفق عليهم لتقدم أعمارهم ونحول أجسادهم، كنت أقول لنفسى مستحيل أن يردهم ربهم إلا وقد غفر لهم، فإذا كنت وأنا العبد الفقير تأخذنى بهم رحمة فما بال أرحم الراحمين.
رغم الزحام كانت تتسع الطرقات لهم، وقد لمست ذلك فى الطواف عندما أصرت والدتى ووالدة زميلى عمرو عبدالحفيظ على لمس الكعبة، والكثير مما أفضل عدم ذكره.. فلكل حاج من كبار السن حكاية ورؤية صادقة شاهدها بشارة قبل حجه.. قصص عظيمة أتاح لى قربى من الحجاج كبار السن الاستماع إليها ربما جاء يوم لذكرها، جميعها تؤكد أنها رحلة الروح قبل الجسد.
بين الصفا والمروة السعى، سيرًا على خطى السيدة هاجر، وهنا رسالة ربانية فى تلك المحاكاة، مفادها أن الإنسان فى تلك الحياة ما عليه إلا السعى، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾.. سورة النجم الآيتان (-39 40).
فى ذلك الوادى غير ذى زرع، وجدت السيدة هاجر نفسها ورضيعها بلا طعام ولا ماء، عندما هم سيدنا إبراهيم يتركهم سألته: أالله أمرك بهذا؟.. قال نعم .. قالت: إذن لن يضيعنا.
إيمان ويقين بالله، وكان الله عند ظنها به.. سعت وأخذت بالأسباب سبعة أشواط ذهابًا وإيابًا بحثًا عن مصدر ماء، وهنا الرسالة علينا أن نعمل فى الحياة الدنيا ونأخذ بالأسباب والله سبحانه وتعالى هو من يقدر النجاح.
تفجر ماء زمزم واستجاب الله لدعوة خليله إبراهيم ﴿رَّبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ «إبراهيم آية 37».
ومن المبيت في منى ليلة التاسع من ذي الحجة، حيث معايشة الحياة الخشنة، والتعبد في الخلاء، فلا فاصل بين الأرض والسماء، إلى يوم عرفات في ذلك الصعيد وجبل الرحمة، ويقال في صعيد عرفات تعارف أبو البشر آدم وأمهم حواء، بعد أن تفرقا بخروجهما من الجنة والتقاؤهما من جديد على هذا الجبل.
يوم عرفات يوم لو تعلمون عظيم، ملايين البشر، جاءوا من كل فجٍ عميق، ملبين مصلين متعبدين، اجتمعوا من شتى بقاع الأرض راجين رحمة الله، يوم من أيام الله، يتضرع فيه عباد الرحمن طلبًا، لغفران ما تقدم من الذنب، يوم يباهي الله عز وجل بعباده الواقفين على جبل عرفات ملائكة السماء، وروى الإمام مسلم عن السيدة عائشة - رضى الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة إنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة…».
ومن عرفات تكون النفرة، الملايين مع غروب الشمس، إلى المبيت في المشعر الحرام وجمع الجمرات، لبدء يوم النحر أول أيام العيد في منى.
نعود إلى نبي الله إبراهيم، يوم رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء أمر إلهي، وهنا نعود إلى يقين الأنبياء، وبر الأبناء، الرسالة البليغة والدلالات.
تخيل قسوة الاختبار، ذلك الأب النبي الذي أمره الله بترك طفله وزوجته بوادٍ غير ذي زرع، وقطعًا لا زرع يعني لا مياه، فمن الماء خلق كل شيء حي، بالمنطق والعقل فإنهم هالكون لا محالة، لكن يقينه بأن الله حافظهم، كان أقوى من كل شيء، يعاد له الاختبار بدعوته لذبح ابنه، ما أقساه من اختبار.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾َ (الصافات آية 102).
نجح النبي في الاختبار، ونجح الابن، وحاول الشيطان إثناءه عن تنفيذ الأمر، وكلما ظهر له في صورة بشر يحرضه على العصيان كان يرجمه بالجمرات، ومن هنا جاءت شعيرة رجم الشيطان في الجمرة الكبرى ثم أيام التشريق الثلاثة.
فلما وضعه موضع الذبح تدخل الله برحمته، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وكما فدى الله إسماعيل بكبش عظيم، ولماذا كبش، وليس غيره من الحيوانات؟ لأن الأغنام والكباش في ذلك الوقت متاحة لأهل الجزيرة ومن ثم تيسير للهدي في الحج والأضحية لغير الحاج لتكون في متناول اليد.
وهنا الرسالة أن الشيطان سيظل عدوًا للإنسان ومن هنا يرجمه الحاج، ويصر على طاعة الله، كما أن الأضحية والهدي ليست انتقاصًا من مال من يضحي، بل هي فداء له ولأبنائه وذويه من شر لا يعلمه، كما فدى الله إسماعيل، وينبغي أن يكون هذا هو يقين المضحي، فالأضحية تقربًا لله وحفظًا للنفس والمال والذرية.
ثم كيف تقسم الأضحية، ثلث للنفس وثلث هدية للأقرباء والأصدقاء، وثلث للفقراء والمساكين، وهنا الرسالة لا تنس حظك من الدنيا، ولا تغفل المحبة والتراحم وتعزيز أواصر التواصل، وفي الوقت ذاته لا تنس الفقراء والمساكين، رسالة تماسك مجتمعي.
وإذن ماذا يفعل من لا يملك؟ الدين يسر وسبل الطاعة كثيرة وأفضلها جبر الخاطر، فلا حج لغير المستطيع، كما أن الحاج الذي لا يملك ثمن الهدي عليه صوم ثلاثة أيام بعد أيام التشريق، وفي ذلك رسالة رحمة، من الله بالحاج لم يفرض عليه الصيام إلا بعد الانتهاء من أيام المشقة.
إن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، وفي كل أوامره خير للبشرية، أرى في أمره سبحانه لنبيه إبراهيم بذبح إسماعيل ثم فدائه، كان بيانًا عمليًا ليتعلم منه المسلمون من بعده مناسك الحج، التي ما هي إلا دروس حياة في مواجهة إغواء الشيطان وجهاد النفس والشهوات.
لعلنا نتفكر كما أمرنا الله، ولد نبي الله إبراهيم بين قوم يعبدون الأصنام، فأبى أن يُساير معتقدهم، باحثًا عن الله سبحانه وتعالى، أعمل عقله، ظل يرقب السماء، الكواكب والقمر ليلًا والشمس نهارًا عله يهتدي.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، أدرك بفطرته السوية، أن الله واحد، دائم الوجود، حي لا يموت. ثم وجد فى القمر مايدفعه للتفكير فلما أفل ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ وكذلك مع الشمس فلما أفلت تبرأ من عبادة قومه لغير الله ﴿فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون﴾.
سلامًا على نبي الله خليل الرحمن أبى الأنبياء سيدنا إبراهيم أول المسلمين عليه السلام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ صدق الله العظيم [الأنعام: 161 - 163].
وأجمل وداع يكون بزيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة والروضة الشريفة تشعر بالراحة والسعادة وثمار رحلة الروح إلى الله.
كل عام ومصر والأمتان العربية والإسلامية بخير، وتحية للقائمين بالمملكة العربية السعودية على خدمة ضيوف الرحمن وإدارة الحشود، وتقبل الله من حجاج بيته العتيق وجعلنا وإياكم من عتقائه من النار وكل من كان معنا في حجنا.






