أمريكا تعود إلى «المربع صفر»
وسام النحراوى
على مدى الشهرين الماضيين، أجرت إيران والولايات المتحدة مفاوضات سلام متقطعة وغير ناجحة، فبعد التوصل إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار فى مطلع أبريل، تبادل مسئولون من كلا البلدين مقترحات طويلة الأمد، ثم رفضوها وأعلنوا أنهم يقتربون من التوصل إلى اتفاق ما، ثم تبادلوا وابل من الضربات بالطائرات المسيرة والصواريخ.
وقد تتوصل «طهران» و«واشنطن» إلى نوع من الاتفاق فى الأشهر المقبلة، لكن سيعلقان فى صراع أوسع يتبادلان فيه الاتهامات والهجمات العسكرية، فما زالت واشنطن تطالب طهران بتفكيك برنامجها النووى لتخصيب اليورانيوم بالكامل، وتسليم جميع مخزونها من اليورانيوم المخصب، وإنهاء دعمها لحلفائها الإقليميين، وإعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن إيران ترفض مرارا وتكرارا التخلى عن التخصيب، وتؤكد أنها لن تنظر على الأرجح فى مطالب واشنطن الأخرى إلا بعد أن تعترف الولايات المتحدة بالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وتعوض الإيرانيين عن أضرار الحرب، وتنهى الحرب الإسرائيلية فى لبنان، وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
لكن ثمة سبب آخر يمنع الطرفين من التوصل إلى سلام حقيقى، وهو إدراك إيران أن الصراع أفضل من الدبلوماسية، فالحرب تبدو كأنها تساعد طهران على تعزيز نفوذها الدولى، وبإغلاق مضيق هرمز، أجبرت مجموعة من دول العالم على الاعتراف بقوتها والتفاوض بشأن مصير سفنها، علاوة على أن استراتيجية طهران لا تقتصر على مجرد البقاء والتفوق على الولايات المتحدة، بل إنها لا تسعى فعليا إلى حل خلافاتها مع واشنطن، إذ ترغب فى تغيير جذرى لكيفية تعامل أمريكا وحلفائها، بل العالم أجمع مع طهران، وتطمح إلى أن تكون قطبا فى نظام متعدد الأقطاب معتقدة أن الحرب تساعدها على تحقيق هذا الهدف.
ثمة سبب أخير يجعل إيران ترى فى الحرب فائدة، ففى رأيها، سيجبر الصراع واشنطن على إعادة النظر فى افتراضها ضعف طهران، فالضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية كانت فعالة ومدمرة، وخلصت طهران إلى أنه مهما بلغت براعة خصومها، فلن تستطيع إسرائيل ولا الولايات المتحدة هزيمتها فى ساحة المعركة، وبالتالى إطالة أمد الحرب هى وسيلة لإثبات أن تقييم واشنطن السابق لإيران كان خاطئًا.
وتعتقد طهران، أن أى حل وسط لن يؤدى إلا إلى زيادة المخاطر، وأى تواصل إيرانى دليل على الضعف، وبناء على ذلك، أعادت قيادة طهران توجيه استراتيجيتها، مستخدمة المفاوضات كأداة لإدارة الحرب، وتنخرط فى المحادثات فى الغالب لإظهار جديتها فى الدبلوماسية للدول الأخرى، وبالتالى تخفيف الضغط الدولى والسيطرة على وتيرة الصراع.
النتيجة هى ديناميكية محصلتها صفر تجعل السلام الحقيقى شبه مستحيل، على الأقل فى الوقت الراهن، قفد يستقر العالم إذن على وضع جديد تفرض فيه الولايات المتحدة نوعًا من الحصار على إيران، وتفرض إيران نوعا من الحصار على المضيق، وينخرط الطرفان فى مناوشات مستمرة، وربما يعودان إلى صراع شامل.
وستكون هذه النتيجة كارثية على الجميع لكن بالنسبة للنظام الايرانى، فإن هذا الوضع ليس سيئًا لحكومة إيران، التى لا تزال فاعلة، وقوية، ومتماسكة، وقد أثبتت قدرتها على الصمود أمام ضغوط هائلة، والأهم من ذلك كله، فقد أثبتت أنها قادرة بمفردها على إضعاف الاقتصاد العالمى، وأنها بالتالى قوة لا يستهان بها.
فى السياق نفسه، أوضحت صحيفة «الجارديان»، أن ترامب يراجع ويجرى تعديلات على مذكرة تفاهم مقترحة صاغها دبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون بمساعدة باكستان وقطر، من شأنها أن تمدد وقف إطلاق النار الحالى لمدة 60 يوما ريثما يتم التفاوض على اتفاق سلام دائم، لم تعرف التفاصيل الدقيقة لهذا الاتفاق المبدئى، لكن جوهره واضح وهو يشكل إحراجا كبيرا لترامب، فحربه الاختيارية غير المبررة لم تحقق شيئا على الإطلاق.
وعاد ترامب الآن إلى نقطة الصفر، يحاول مجددا إقناع إيران بتقليص برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وتصديره أو تخفيف تركيزه، أى بعبارة أخرى، الالتزام بما اتفقت عليه مع أوباما.
وكان أمل ترامب هو قصف إيران وفرض عقوبات عليها لإخضاعها، بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، أملا فى ظهور خليفة أكثر مرونة أو حتى انتفاضة شعبية، وبلغ من غطرسة ترامب حد المطالبة بـ»استسلام غير مشروط»، فلم يكن لدى ترامب خطة بديلة، وحول مضيق هرمز من سلاح نظرى إلى سلاح فعلى.
وعلى ترامب، الذى يتباهى بقدرته على إبرام الصفقات أن يعطى الأولوية للتفاوض وأن يتخلى عن تهديداته ويجعل القوة العسكرية الملاذ الأخير، وأن يضع مصلحة العالم فوق مصلحته الشخصية، فقد لا تمنحه طهران مخرجًا يحفظ ماء وجهه.
جدير بالذكر أن النظام الإيرانى ركز فى سياسته الخارجية على مواجهة الولايات المتحدة، لكن كبل التنافس السياسى الداخلى فى البلاد هذا التوجه، وأجبر النظام على البحث عن فرص دبلوماسية، وبلغ هذا النمط ذروته فى عام 2015، عندما استغل الرئيس الإيرانى حسن روحانى، فوزه الانتخابى الساحق للتفاوض على اتفاق نووى مع الولايات المتحدة، رغم اعتراضات المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى، إلا أن انهيار ذلك الاتفاق حول ميزان القوى الداخلى بشكل شبه كامل لصالح قادة يرون فى التسوية خطرا أكبر من المواجهة، وبعد أن بدأت الولايات المتحدة حربها، خفتت أصوات النظام الأكثر حذرًا وانضمت إلى صفوف المتشددين.
ونتيجة لذلك، سيطر المتشددون سيطرة تامة ويشعرون بالفعل بالانتصار، فقد اكتسبت إيران نفوذًا سريعًا وضغطت الدول العربية على الولايات المتحدة للسعى إلى السلام خوفا من كارثة اقتصادية، وتوسلت الدول الآسيوية إلى إيران لتوفير ممر آمن لسفنها، حتى القادة الأوروبيون تبنوا لهجة أكثر تساهلًا.






