د.عزة بدر
رواية فى محبة الكتابة
أبطال هذه الرواية يريدون أن يخطوا أسماءهم على صفحة الوجود، فيدخلون فى صراعات، يقاومون مساحات الظل الممدود، ومحاولات نفى المتن إلى الهامش.
«قبو الورّاق» هى الرواية الأولى للكاتبة فاطمة ناعوت، وصدرت حديثًا عن دار «سما للنشر»، وقد أصدرت الكاتبة من قبل عدة دواوين شعرية منها: «نقرة إصبع»، و«قارورة صمغ»، و«قطاع طولى فى الذاكرة»، كما ترجمت عددًا من الكتب، من العربية إلى الإنجليزية منها: «رواية لم تكتب بعد» لفرجينيا وولف، وصدر الكتاب بعنوان: «جيوب مثقلة بالحجارة وحوار متخيل مع فرجينيا وولف»، وترجمت رواية «الوصمة البشرية للكاتب الأمريكى فيليب روث».
أما روايتها «قبو الورّاق» ففيها مزج بين الحكى وقصيدة النثر، والتأملات، ومقتطفات تحت عنوان «قيل فى الأثر»، ويتماسك هذا المزيج مع صفحة بيضاء بعد كل مشهد، كأنها الصمت بعد كل سرد وتأمل ومقتطف، وكأنه أيضًا صراع الكلمة مع محاولات الحذف والمحو فتقدم لنا الكاتبة تجربة حياة «يوسف» الورّاق الذى حمل على عاتقه كتابة أسماء المدن والناس حتى لا يتعرضوا للنسيان، «يوسف» كان اسمه الأول «نُهى ابن الخط»، فى دورة الحذف القديمة، وهى تحدث فى تاريخ المدينة بعد فوات مائة وأحد عشر عامًا، وهو الأمر الذى يتكرر بعد مضى تلك المدة، ويريد «سليم غانم»، و«رُبى أمين» إنقاذ مدينتهما من المحو، واسميهما من الضياع قبل مضى هذه المدة، فيسعيان لمقابلة «يوسف» الورّاق ليساعدهما فى حفظ تاريخ المدينة، وأسماء ناسها.
فالورّاق يسجل التاريخ، والأحداث والمعارف والشخصيات فهو حافظ للذاكرة الجمعية فى الزمن القديم، ينسخ الكتب التى وصلت إلينا بمعارف الماضى قبل ظهور المطبعة.. ورّاق الرواية كان اسمه «نُهى ابن الخط» تصفه الكاتبة فتقول: «لم يكن يومًا ابنا لجسد أو قبيلة بل ابنا للحرف الأول، للعقل الذى انبثق منه الخط على صفحة العدم، كان نُهى لأنه وُهب البصيرة قبل البصر، والعقل قبل الكلام، وكان ابن الخط لأنه ولد من أثر القلم حين خُطت الكلمة الأولى فى الظلمة.
لقد مارس «يوسف» مهمته الأولى فى حفظ ذاكرة المدينة، تحول كالوراقين «إلى حبر سرى يسرى فى شرايين المدينة، لتظل تكتب نفسها من جديد كلما نسيها الزمان».
أما «رُبى» و«سليم» فهما عاشقان للحرف، وللكلمات، تحابا وتعاهدا على إنقاذ اسميهما من المحو، وإنقاذ اسم المدينة التى عشقاها منذ الطفولة، تتسلط على البطلين ظروف قاسية فهناك فى مدينتهما محاولات لتهميش من يسعون نحو المعانى الحقيقية للكلمات، وغرفة دائرية للرقباء، تُعد فيها قوائم الحذف والمحو، «رُبى أمين» متهمة بانحراف فى الذاكرة، ومحاولة الوصول لمخطوطة ممنوعة.
أما حبيبها «سليم غانم» فهو صحفى بدرجة حالم، كتب بلاغًا على حاسوبه، يوثق فيه لحالات متكررة من حذف أسماء من سجلات رسمية، ومن ذاكرة ذويهم، فتم حذف البلاغ من على حاسوبه، مع أنه كان ضد مجهول، فتبدأ رحلة «رُبى»، و«سليم» فى حب الحرف والدفاع عنه ضد المحو والحذف، وتزداد معاناة «سليم» بعد أن أنكرته أمه، ولم يعرفه جيرانه، ولم يجد اسمه فى السجلات الرسمية، وأصبح الحل الوحيد أمامه هو البحث عن يوسف الورّاق ليكتب اسمه، وأن تردد «رُبى» اسمه بين الحين والآخر، وأن يردد اسمها حتى يتجنبا الضياع والنسيان.
وأرى أن هذه الفكرة لها جذور فى التاريخ المصرى القديم، فقد كان غياب الاسم عن التابوت، يعنى عدم تعرف الروح على الجسد، وبالتالى لا يُبعث صاحب الاسم الضائع فى العالم الآخر، ولن يكون فى حضرة «أوزوريس».
تتفاقم الأحداث بعد محاولات الشيخ «مرجان» للعصف بأى محاولة لكتابة الأسماء أو استعادتها، وكأنه رمز شرير للقضاء على هوية المدينة وناسها، فهو كاهن الصمت، الذى يخاف من ولادة الحرف، وميلاد الكلمة، فهو لم يُكتب ولذا لم يتم محوه، يجلس فى غرفة الرقباء، الذين يخشونه لأنه يتزعم مشروع إبادة صوتية، وبالتالى لن يصبح للرقباء وجود، فماذا سيراقبون ومن؟ إذا حدث ذلك؟
استطاع «رُبى» و«سليم» أن يكتبا اسميهما، فما كتب بالحب لا يُمحى وما لم يُكتب لن يُسمع أبدًا، أنقذهما الورّاق الذى وصفته الكاتبة فتقول: يبقى الورّاق شاهدًا وحيدًا يكتب فى الهامش ما تمحوه الطبيعة من المتن، حتى إذا عاد النطق، أنشدت الأرض لغتها، وولدت من جديد.
فالكلمة تعنى ولادة الأرض، والنطق هو ما يميز الانسان منذ فجر التاريخ، وأول ما تعلمه آدم من الله سبحانه وتعالى هو الأسماء، ومن هنا اكتسب الاسم هويته وأهميته، وفى هذه الرواية عندما فقدت المدينة «عيد النطق» فقدت بشريتها ومعجزتها، وضيّع الناس أسماءهم وفقدوا هويتهم بهذا الصمت الطويل الجاثم على صدر المدينة وهنا ظهر «الطفل الصامت» وكان ظهوره كتطور درامى يحمل جديدًا لهذه المدينة، فقد حمل كتاباً عنوانه: «حروف تُنطق حين يُمنع النطق»، وقال لرُبى وسليم: اقرآه كما أعطى لكما.
ثم يبدأ البطلان رحلتهما فى اكتشاف الحروف، وفى مرآة الخيال يتصوران أن الحرف الأول فى الوجود هو «ف»، ويتخيلان أنه أول صوت سمعته الخليقة، فاء هوائية، أو هسيس يشبه صوت الحية حين تصفر فى ليل بلا ريح، ذلك الهسيس كان النفس الأول للعالم، والنطق الذى سبق الحروف، وتذكر الكاتبة أنه الحرف الأول فى الأبجدية المصرية القديمة، وأنه يشبه رأس الثعبان أو الكوبرا، وهو رمز للتجدد لأنه يُغيِّر جلده لكى يحيا.
تميزت الرواية بتصوير المشاهد بلغة رمزية فتقول الساردة (الشيخ «مرجان» مدى يده إلى خزان زجاجى يطفو فيه دخان أسود، أخرج شريطا من الدخان، ووضعه فى فمه الفارغ، وراح يمتصه كما يمتص الغريق آخر جرعة هواء، فارتفعت الكسرة السوداء فى السماء، تتمدد وتتحول إلى عين هائلة تتجسس على المدينة).
وصفت اللغة فى وصف الحبيبين مثل قولها: «كان صمتهما جسرا بين لغتين، لغة تمحى وأخرى تولد».
وتدفقت العبارات فى محبة الكتابة: ما دمت تكتب فأنت تحُب، و«الدمع آخر أشكال الحبر البشرى».
الورّاقون لعبوا دورا مهما فى تاريخ الثقافة فهم حراس الذاكرة الذين رسموا خرائط بأسماء كان لا يسمح بذكرها، وتعبيرات مهمة من نطقها أحيا مدينته.
وفى رأيى أن استخدام تعبير «أحيا»، أو «إحياء» من التعبيرات أو المفردات المهمة لأن الإحياء يعنى قراءة التراث، بهدف تجديده، وعندما عثر «سليم» و«رُبى» على خريطة منسية أو منفية تعرفا على اسم المدينة بل أسمائها التى حاول طمسها الشيخ «مرجان»، محاولًا تغيير هويتها فهى «كمت» و«المحروسة» و«القاهرة» المدينة التى عشقها أهلها، وظلت فى قلب وذاكرة أبنائها.
بلغة الحب نطق الجميع اسمها، فعاد صوتها، وانكسر الشيخ «مرجان»، وانكسرت محاولاته إلى الأبد.
الكتابة فعل مقاومة، به استعادت المدينة عيدها «عيد النطق»، واستعاد الحبيبان لغة الحب، «فقد أعطاهما الورّاق سبحة جديدة بيضاء بالكامل، ثلاث وثلاثون حبة، لم تنقش بعد، وقال: عودا لكتابة ما لا يُكتب، وفى القبو.. سال حبر لا يُرى من الجدران، وظهر على الأرض اسم واحد: الحب».






