الخميس 11 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
«شوقى إلى ليلى»

«شوقى إلى ليلى»

تأتى رواية «شوقى إلى ليلى» للكاتب نشأت المصرى لتمنحنا الفرصة لتأمل صناعة الخيال، فى هذا الفن الجميل: فن الرواية، ويفتح الكاتب أبوابًا واسعة للتأمل عندما يقول فى مفتتح روايته: «وللخيال أقول: كيف تكون الحياة بدونك؟، وهل الحياة إحدى صورك المُلحة؟»، ثم يضيف «عند ليلى الخبر اليقين».



لنتعرف من أول وهلة على بطلته «ليلى» التى تمر حياتها بعواصف العاطفة فهى تتزوج سياسيًا مهمًا هو «فريد»، وتنجب منه «كريم» الذى يعانى من مرض نفسى لم تجد «ليلى» أنيسًا سوى قطها «كيتو»، فقد هجرها زوجها إلى أخريات، فوجدت فى الحلم تعويضًا عن خيبة آمالها فى الزواج برجل مهم جابت معه بلادًا كثيرة، لكنها حلمت بزميلها «صلاح» الذى يجاملها ويبتعد لشأنه، ولما توفى زوجها تعرفت على «شوقى» مدير تحرير إحدى المجلات، يستكتبها فيها، وتعرف عن قرب على مشكلاتها، ومعاناتها فى علاج ابنها «كريم» الذى يهددها بالقتل أحيانًا، ويمارس علاقة حسية مع «وردة» التى تقوم بخدمة والدته، وعلى الرغم من أن «وردة» متزوجة من «نور» إلا أنها لم تجد معه ضالتها من المتعة فاندفعت فى طريق «كريم» الذى كاد يخنقها فى إحدى لحظات هوسه، وانفعالاته المتناقضة.

تفتح «ليلى» باب الخيال واسعًا أمام «شوقى» الكاتب الذى يشعر بالحب لأول مرة، ذلك الحب الرهيف الذى لم يجده مع زوجته التى تتجاهله، وتتركه لوحدته، وحل مشكلات ابنتيه، فإحداهما مطلقة لا يكاد يسمع منها إلا ما آيسه من الحياة كما يقول، فيحن لحوارات الحب مع «ليلى» عند شاطئ البحر، وتأمل الأمواج، وتلك اللحظات الخاطفة السحرية التى يمنحها لهما الخيال، فيتزوج «ليلى» سرًا، فأبطاله لا يستسلمون أمام قسوة ظروفهم، ورغم تهديد «كريم» لأمه بقتلها إن تزوجت، فقد تمردت على سطوة جنونه، وأحبت وتزوجت، أما شوقى فتمرد على هذا الصمت المنزلى القاسى الذى استشعر معه أنه يحمل بين جنبيه حجرًا لا قلبًا، لكن الكاتب لا يترك أبطاله يهنأون بما أمدهم به من مساحات واسعة خضراء، وأضواء كاشفة لدواخل نفوسهم التى تتهدج حبًا وشوقًا، لكنه يحاصرهم بمصائر الحياة، وتقلباتها فتصاب «ليلى» بمرض «ألزهايمر» وهنا تتغير أحوال أبطال الرواية ومصائرهم، وتعد هذه الرواية من الروايات المهمة التى تناولت حياة مرضى «ألزهايمر» فى الأدب العربى، وما رسمته من تفاصيل إنسانية رهيفة حول ما يشعرون به، وما يمرون به من أحداث وتفاصيل، ومن الروايات العالمية المهمة التى عالجت هذا الموضوع رواية «لم أخرج من ليلى» للكاتبة الفرنسية آنى إرنو، وترجمتها إلى العربية نورا أمين، وحصلت على جائزة نوبل عن مجمل أعمالها عام 2022 وكانت آنى إرنو فى روايتها تقول: «من خلال مرض أمى ثم لقاء «أ»، استعدت علاقتى بالبشرية، باللحم والألم، أما نشأت المصرى فى روايته فيرصد ذلك الأمل الذى يعيش عليه شوقى بأن تُشفى «ليلى»، وتعود إلى حياتها معه شمسًا مشرقة، إنه يتأمل ما انطفأ من خلايا مخها، ويتساءل عن هذه الطاقات الروحية والعاطفية التى منحتها له «ليلى» قبل أن تصاب بألزهايمر، هى نفسها تحاول العودة إلى الكتابة فلقد كانت كاتبة ومترجمة، طلبت قلمًا وورقة فى المشفى لكنها لم تعثر على ما يكتب، فكسرت القلم.

بطلة «لم أخرج من ليلى» لآنى أرنو تقول: «إنهم لا يتحدثون عن المغادرة، أتساءل إذا ما كنت سوف أغادر ذات يوم؟، ربما سوف  أبقى - توقفت دون أن تنطق - حتى موتى، كان ذلك هو المعنى الذى يمزق، إنها حية لديها مشروعات ورغبات مازالت، إنها لا تريد سوى أن تعيش وأنا أيضًا بحاجة لأن تكون حية».

.. لكن «ليلى» فى الرواية المصرية لم تعد تعرف سوى قطها «كيتو»، وكأنه يسكن فى خلاياها بدرجة ما، يصفها كاتبنا فيقول: «ليلى كل يوم تفقد شيئًا منها، تصبح شخصًا مختلفًا لا يعرف أحدًا، هى لن تكون «ليلى»، لا وجهها ولا تفكيرها الذى ينطفئ رويدًا رويدًا».

تفاصيل رهيفة تصورها الرواية تقترب من حقيقة هذا المرض، وخاصة الإحساس بالخوف، وافتقاد الأمان، وقد صورته آنى أرنو فى روايتها فقالت تصف بطلتها الأم المصابة بألزهايمر: «الخبز فى جيبها.. إنه الخوف القديم من الاحتياج».

أما «ليلى» فتصف حالتها فى فصل بعنوان «فى بيتى الجديد» فى رواية كاتبنا فنجد اختفاء الحقائق والتفاصيل من ذاكرتها فتقول: «لم أعد أذكر أقاربى، ولم أعد أثق بأحد، وماذا يفعل هنا هذا القط الذى لا أذكر اسمه، ويدور حولى، وهذا الشوقى الذى أراه كثيرًا، لماذا يسعى إلى التقرب منى كأنه قريبى أو زوجى، حتى زوجى تركنى ولا يسأل عنى، رغم أننى لا أتذكر اسمه، فهل سافر أم تزوج بأخرى؟ لا أمان لأى رجل، لو كان لى ابن لآنسنى، وفتحت له قلبى، وهذه البنت الطيبة التى لا تتركنى، أكيد هى فتاة ثرية لأنها تعطينى الطعام، شكرًا أيتها البيضاء السمينة، أشعر بالجوع، سألتها: من أنت؟ ولماذا تجلسين معى؟، إياك أن تكونى جاسوسة تنقل أخبارى».

ولا تكتفى الرواية برصد أحوال «ليلى» وما أصابها، لكنها ترصد أيضًا تلك العلاقات التى تضمحل، وتنسى ود صلة القربى، وكأنه نوع من النسيان الجديد أقسى من «ألزهايمر» لأن الأخير يحدث رغمًا عن الإنسان، لكن النسيان الجديد يحدث برغبة المرء وإرادته، وفى الرواية شخصية شقيق «شوقى» الوحيد الذى يستعين به ليقرضه على أن يكتب له إيصال أمانة!، لأن بيته آيل للسقوط وأوشك على الانهيار فيرفض الأخ قائلا: «آسف لا تعتمد علىّ».

تتداعى أفكار «شوقى»: «هو لن يذكر أبدًا ما أنفقته عليه فى أول حياته، هو والأرض البور سواء، وهو شوك بلا تين مثل كثيرين».

ومع ذلك لا يفكر شوقى أبدًا فيما استودعته ليلى عنده من مالها كما نصحته زوجته التى أفهمها أنه يدير أموالها نيابة عنها لمرضها، وله على ذلك راتب يتقاضاه.

... ويأتى المشهد الأخير فى الرواية ليجسد ذلك التضامن مع «ليلى»، فقد أصدر شوقى كتابها «ذكريات أحبها» ليظفر منها بابتسامة، ولتعود هى إلى دار المسنين التى أنشأتها قبل إصابتها بالمرض، عادت لتعيش فى وسط من يحبونها، جارتها وصديقتها «عايدة»، و«شوقى»، والقط «كيتو»، وأولئك الذين أنشأت الدار من أجل رعايتهم، ربما لا تعرفهم «ليلى» لكنها تحسهم، وتستشعر معهم لحظات الحنان والدفء، وذلك الأمان الذى تفتقده.

«شوقى إلى ليلى» أحدث روايات نشأت المصرى وقد صدرت حديثًا عن دار حابى للنشر، وكان قد أصدر عدة روايات منها: «دماء جائعة»، و«كائن رمادى»، و«بونابرته»، وعدة دواوين شعرية منها «القلب والوطن»، و«الحلم المعاند».