الجمهورية الجديدة
أطلق مصطلح «الجمهورية الجديدة» فى حقبة الخمسينيات من القرن الماضى بمعرفة عدد من الساسة والمفكرين الفرنسيين وذلك على مرحلة زمنية جديدة فى عمر الثورة الفرنسية التى اندلعت فى مايو من عام 1789، واستمرت حتى نوفمبر من عام 1799، وكان منظرو الثورة الفرنسية يعمدون إلى إطلاق مسميات وعبارات بين الحين والآخر على تلك الثورة للحفاظ على الزخم والحراك السياسى والديمقراطى والاجتماعى الذى أحدثته فى مجال الحريات العامة وأنماط الحكم فى ذلك التوقيت خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأثر العديد من دول العالم خاصة بالقارة الأوروبية بتلك الثورة ومساراتها.
عند إطلاق مصطلح «الجمهورية الجديدة» أشار هؤلاء الساسة والمنظرون الفرنسيون إلى أنها ليست مجرد تغيير سياسى مرحلى، بل إنها تمثل رغبة حقيقية فى إحداث التغيير الذى يؤدى إلى غايات تحقق التقدم الإنسانى على كل الأصعدة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
لذا اقترن مسمى «الجمهورية الجديدة» بالجدية والرغبة الحقيقية فى التغيير والتقدم، وليس مجرد مسمى يحدث تأثيرات معنوية فقط.
وبصرف النظر عن رؤى ودوافع هؤلاء الساسة والمنظرين، إلا أن ما يعنينا فى هذا المقام هو جمهوريتنا الجديدة التى أطلقها السيد عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية، وتناول مفرداتها بعمق شديد وبعبارات مختصرة ولكنها عميقة ومتقنة ودقيقة وذلك خلال الاحتفال المهيب الذى أقيم باستاد القاهرة يوم 2021/8/3 بمناسبة إطلاق مبادرة «حياة كريمة».
إلا أن الإعلام المصرى بكل نطاقاته المرئى- المسموع- المقروء، لم يستوعب (فى حينه) الأبعاد العميقة لمفهوم الجمهورية الجديدة ومفرداته واستمر فى الفهم الذى انصرفت إليه أذهان الغالبية من الشعب المصرى عندما أشار السيد رئيس الجمهورية خلال الندوة التثقيفية التى نظمتها القوات المسلحة فى ذكرى يوم الشهيد فى 2021/3/9 إلى أن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة يمثل مولدًا لدولة جديدة وبمثابة إعلان لجمهورية جديدة.
وقد أدى ذلك لانصراف أذهان المصريين فى ذلك التوقيت إلا أن إعلان الجمهورية الجديدة أصبح مقترنا بافتتاح العاصمة الإدارية الجديدة وظل عالقا بأذهان وأبصار المصريين ذلك المفهوم من خلال اللوجو الظاهر على شاشات القنوات التليفزيونية وترديد البعض له بشكل سطحى دون الغوص فى عمق مفاهيمه التى أشار إليها السيد رئيس الجمهورية فى الاحتفال بإطلاق مبادرة حياة كريمة.
وقد تضمن الشرح الدقيق والمتقن الذى تناوله السيد رئيس الجمهورية بيانا لجوانب الفكر الاستراتيجى الذى يمثل ميثاق عمل وشرحاً لمفهوم الجمهورية الجديدة والمتمثل فى الآتى:
أولا: بناء دولة ديمقراطية / مدنية / حديثة.
ثانيا: ضرورة امتلاك تلك الدولة لقدرات شاملة وقوية عسكريا / سياسيا / اقتصاديا / اجتماعيا.
ثالثاً: إعلاء مفهوم المواطنة وقبول الآخر.
رابعاً: السعى لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية فى جميع ربوع الوطن.
خامسا: التطلع لتحقيق تنمية سياسية تحقق حاوية للمجتمع المصرى قائمة على ترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية / الكرامة / الإنسانية.
سادسا: السعى لبناء الإنسان المصرى بناء متكاملا صحيا / عقليا / ثقافيا وذلك من خلال القناعة الكاملة بأن الإنسان المصرى هو كنز الوطن وأيقونة انتصاره ومجده.
وعلى الرغم من أن إطلاق مثل تلك المسميات على بعض مراحل الكفاح الوطنى لعدد من دول العالم كان يتم تنظيرا وأملا فى أداء مستقبلى، إلا أن الأمر يختلف تماما بالنسبة لمفهوم «الجمهورية الجديدة» الذى أطلقه السيد رئيس الجمهورية، حيث إنه رغم إطلاق مصطلح «الجمهورية الجديدة» بعد أكثر من ثمانى سنوات من ثورة 30 يونيو عام 2013 المجيدة، إلا أن الواقع العملى والمتابعة المنصفة تؤكد أن جوانب تلك الجمهورية الجديدة بدأ تطبيقها بالفعل فى معظم جوانبها إن لم يكن فيها كلها.. عقب تولى السيد رئيس الجمهورية دفة الحكم بالبلاد فى منتصف عام 2014.
فبالنسبة للبند الأول من منظومة الجمهورية الجديدة والذى ينص على: «بناء دولة ديمقراطية / مدنية / حديثة». فقد تم إصدار دستور جديد وافق عليه الشعب وتضمن فى مادته الخامسة قيام النظام السياسى على أساس التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينها وتلازم المسئولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحرياته.
كما تضمن البند الثالث من الدستور التأكيد على كل الحقوق والحريات والواجبات العامة وبيان الضمانات التى تحفظ كرامة الإنسان المصرى بكل فئاته واتخاذ ما يلزم لضمان حماية حقوق الملكية الفكرية وحماية حرية الصحافة والطباعة والنشر واستقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام وحرية إنشاء أحزاب سياسية بمجرد الإخطار ووفق التنظيم القانونى المقر وتشكيل الهيئات المستقلة والمجالس القومية والأجهزة الرقابية اللازمة مثل:
الهيئة الوطنية للانتخابات- المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام- الهيئة الوطنية للصحافة- الهيئة الوطنية للإعلام- المجلس القومى لحقوق الإنسان- المجلس القومى للمرأة- المجلس القومى للأمومة والطفولة- المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة- والعديد من أجهزة ضبط الأداء المالى والإدارى بالدولة.
كما تم البدء على الفور فى القضاء على كل مظاهر الحكم الدينى فى الإطار القانونى والتركيز على الحكم المدنى وبناء دولة المؤسسات من خلال استكمال تشكيل المؤسسات الدستورية والهيئات المستقلة وإجراء انتخابات حرة مباشرة لتشكيل مجلس النواب والشيوخ وإجراء الاستفتاء اللازم لاستمرار المسيرة وانتخاب رئيس الجمهورية.
كما تم وضع منظومة لتحديث جميع جوانب الحياة فى مصر من خلال إقرار منظومة التحول الرقمى وميكنة كل الخدمات وتحديث آليات الأداء بجميع مرافق الدولة والأخذ بالأساليب العلمية الحديثة والانفتاح على العالم الخارجى للاستفادة من التكنولوجيا العالمية وتوطين الصناعات الاستراتيجية.
وبالنسبة للبند الثانى والذى ينص على ضرورة امتلاك تلك الدولة لقدرات شاملة وقوية عسكريا / سياسيا / اقتصاديا / اجتماعيا، لوجدنا أنه تم البدء فى تحقيقه قبل إطلاقه رسميا، حيث تم إنشاء العديد من القواعد العسكرية الجديدة مثل قاعدة محمد نجيب العسكرية بالمحور الاستراتيجى الغربى، قاعدة برنيس البحرية بالمحور الاستراتيجى الجنوبى، تزويد القوات المسلحة بالعديد من الأسلحة والمعدات والسفن البحرية والغواصات المتطورة وتنويع مصادر التسليح من عدة دول بالعالم، وإجراء التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة مع العديد من دول العالم.. وتأمين الدولة من كل الاتجاهات الاستراتيجية وحماية مصالحها الاقتصادية ومياهها الإقليمية وتوطين العديد من الصناعات الاستراتيجية.
وعلى الجانب السياسى استكمال جميع مؤسسات الدولة الدستورية ودعم الحياة الحزبية واتخاذ مواقف ذات مبادئ ثابتة من كل القضايا الإقليمية والدولية والتواجد بقوة بالمحافل الدولية وإنشاء علاقات وشراكات استراتيجية مع العديد من دول العالم والمنظمات والكيانات العالمية. وعلى الجانب الاقتصادى إدارة أصول الدولة بشكل يحقق تعظيما للفائدة وتحديد ملكية الدولة وتحسين مناخ الاستثمار وتشجيع التصدير وتوطين العديد من الصناعات واستصلاح ملايين الأفدنة وزيادة الرقعة الزراعية.
واجتماعيا، هدفت الجمهورية الجديدة إلى خلق مجتمع متماسك ومتجانس يسوده الاستقرار والسعى لتحقيق النمو والتقدم فى كل المجالات من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وإطلاق طاقات الإبداع والعمل من أجل رفعة الوطن وتحقيق الحماية الاجتماعية من خلال إطلاق برامج ومبادرات عديدة مثل تكافل وكرامة، بداية جديدة، حياة كريمة.
وبالنسبة للبند الثالث الذى ينص على إعلاء مفهوم المواطنة وقبول الآخر، فقد حرصت الجمهورية الجديدة على تحقيق هذا المبدأ فى أزهى صوره، حيث تحرص القيادات السياسية على مشاركة جميع الطوائف المسيحية احتفالاتهم وأعيادهم وتحقيق كل مطالبهم وإقامة دور العبادة اللازمة لهم وإجراء الترميمات اللازمة للقديم منها، وتولى أبناء الطائفة المسيحية أعلى المناصب بالبلاد سواء بالحكومة أو الهيئات القضائية العليا وآخرها المحكمة الدستورية العليا وهى أعلى جهة قضائية بالدولة.. وإجراء الحوارات وإنشاء الكيانات المشتركة مع الأزهر الشريف لإعلاء ذلك المفهوم.
وبالنسبة للبند الرابع الذى ينص على السعى لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية فى كل ربوع الوطن؛ فقد سعت الدولة بجميع أجهزتها لتحقيق السلام والأمن فى ربوع البلاد والتصدى لكل محاولات زعزعة أمن واستقرار البلاد والقضاء على قوى الإرهاب والتطرف.
والبدء فى تنفيذ خطط تنمية شاملة فى كل المناحى وبجميع محافظات الدولة دون تمييز، وإنشاء العديد من الكبارى والطرق والأنفاق وربط كل أنحاء الجمهورية بشبكة حديثة منها تحقق المزيد من فرص التنمية والتطوير.. وإيلاء أهمية خاصة لقطاعى الصناعة والزراعة واستصلاح الأراضى وترشيد استهلاك المياه وزيادة معدلات تحليتها وإطلاق خطط طموح للتنمية الصناعية والزراعية.
وبالنسبة للبند الخامس والخاص بالتطلع لتحقيق تنمية سياسية تحقق حاوية للمجتمع المصرى قائمة على ترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية / الكرامة / الإنسانية، فقد حرصت الدولة فى ظل الجمهورية الجديدة على تحقيق تلك المفاهيم من خلال توزيع المكاسب والأعباء توزيعا عادلا والحفاظ على كرامة المواطن الصالح والاهتمام الإنسانى بكل الفئات بالمجتمع وإطلاق مبادرات كبيرة مثل حياة كريمة ومنظومة تكافل وكرامة.
وبالنسبة للبند السادس والذى ينص على السعى لبناء الإنسان المصرى بناء متكاملا صحيا / عقليا / ثقافيا وذلك من خلال القناعة الكاملة بأن الإنسان المصرى هو كنز الوطن وأيقونة انتصاره ومجده، فقد قامت الدولة خلال السنوات الماضية وحتى الآن بجهود كبيرة فى مجال تحقيق الصحة العامة للمواطن المصرى منها على سبيل المثال وليس الحصر مبادرة 100 مليون صحة، البدء فى تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل، الرعاية الصحية المتميزة للمرأة، القضاء على فيروس C، انتهاء قوائم انتظار العمليات الجراحية، التعامل الحكيم مع جائحة كورونا، إنشاء العديد من المستشفيات والمراكز الطبية وتطوير وتحديث وتوسعة القائم منها.
أما الجانب العقلى فى بناء الإنسان المصرى فيتمثل فى قضية الوعى الذى يتميز به أفراد الشعب المصرى ويعنى الدراية الكاملة بالمخاطر التى تحيط بالوطن وتقدير خطورة الأوضاع والأحداث الجارية إقليميا ومحليا الأمر الذى يتطلب منا جميعا اليقظة وإدراك مدى تلك المخاطر على أمن واستقرار البلاد.
ولذا لا بد من إيلاء قضية الوعى أهمية كبرى، ونحمد الله أن المواطن المصرى بفطرته وحضارته العريقة وتاريخه الطويل لديه قرون استشعار للخطر حينما يحدق بوطنه فيهب واقفا فى وجه أى محاولات للمساس بأرضه ومقدراته.
وثقافيا تسعى الدولة لنشر الثقافة بكل مجالاتها والارتقاء بها من خلال إنشاء العديد من دور الثقافة ودور الأوبرا.. وتشجيع الشباب وذوى الرؤى الفكرية المستنيرة على الإبداع.
ما سبق بيانه يشير إلى أن تناول جوانب وفلسفة وتطبيقات مفهوم «الجمهورية الجديدة» يتطلب جهدا كبيرا وتحركا وطنيا واعيا من كل القوى السياسية والحزبية وأجهزة الإعلام المختلفة لشرح تلك المفاهيم وإبداء الرؤى حولها وتحقيق اتفاق مجتمعى وزخم قوى يساعد على تحقيقها.










