الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حكـاية «صبـاح الخيـر» (2)

حكـاية «صبـاح الخيـر» (2)

من عَرِفَ الكاتب والفنان حسن فؤاد عن قرب يدرك قدر هذا الرجل، فهو صاحب أفكار عظيمة، ومشاريع كبرى، ومبادرات مبتكرة، فضلا عن أنه صانع النجوم، ومكتشف المواهب.



ولأنه أحد الرواد الأوائل المؤسسين لمجلة صباح الخير التى نحتفل بمرور 70 عاما على صدورها فى 12 يناير 1956، ولكن غاب عن المشهد الصحفى فى معتقل الواحات مع كل رموز اليسار المصرى من مفكرين وأدباء وشعراء ومبدعين لمدة خمس سنوات، بدأت من يناير 1959، وفى مارس 1964، بدأ الإفراج عن الدفعة الأولى من المعتقلين، وفى أبريل 1964، جاء الإفراج عن الدفعة الثانية، وقبل زيارة الزعيم السوفييتى نيكيتا خروشوف الذى جاء ليحتفل بتحويل مجرى نهر النيل وإتمام المرحلة الأولى من بناء السد العالى، تم الإفراج من باقى المعتقلين، خاصة بعد أن وافقت كل الأحزاب الشيوعية (حدتو، الراية، الحزب الشيوعى المصرى) على حل الأحزاب الشيوعية، والانضمام إلى مؤسسات الدولة الثقافية والصحفية للمشاركة فى البناء من خلال الاتحاد الاشتراكى العربى.

فعاد حسن فؤاد وفؤاد حداد وصلاح حافظ لأحضان مجلة صباح الخير ومؤسسة روزاليوسف، ولكن حسن فؤاد الذى لا يكل ولا يمل من التفكير فى كل جديد تقدم للكاتب إحسان عبدالقدوس رئيس مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف بعد التأميم، بمشروع جديد، وهو إصدار كتيب صغير أطلق عليه «حكايات صباح الخير» للكبار والصغار، ويقول إحسان عبد القدوس عن هذه الحكايات فى العدد رقم 454 من مجلة صباح الخير: 

«إننى دائما أقع فى حيرة بين اندفاعى الفنى كصحفى، وبين مسئوليتى كرئيس لمجلس الإدارة، وعندما قررنا تجديد مجلة صباح الخير قضيت أياما طويلة وأنا أعانى هذه الحيرة، فقد تقدم حسن فؤاد بمشروع «الحكايات»، ووافقت عليه بسرعة، ثم قررنا أن نضع كل إمكانياتنا لتصدر الحكايات على أرقى مستوى، فقررنا أن تطبع كلها بـ (الأوفست)، وأن يكتبها أرقى وأعلى الكتاب، وأن ننشئ مكتبا خاصا يضم ثلاثة من كبار المحررين لمراجعة الحكايات وإعادة كتابتها بحيث تصدر كلها فى أساليب متقاربة».

هكذا بدأت الحكايات التى صدرت مع أعداد مجلة صباح الخير وصدر العدد الأول من الحكايات يوم الخميس 15 أكتوبر عام 1964، مع العدد رقم 445 من مجلة صباح الخير، وكان إصدارا مبهرا، فالحكايات كانت من كل أنحاء العالم، بعضها تم ترجمته من الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والروسية، واللغات الإفريقية المتعددة، وحكايات شعبية وتراثية، وكانت تكتب بطريقة وأسلوب جذاب يصلح للكبار والصغار، وكان يقوم برسوم الحكايات كبار الفنانين، منهم على سبيل المثال الفنانون الكبار: «جمال كامل، صلاح مأمون، جورج البهجورى، حجازى، محمد حجى، تماضر، حسن فؤاد، عبدالغنى أبو العينين، ناجى كامل، محيى الدين اللباد، عبدالسميع عبدالله، مجدى نجيب، محمد سليم، محمد قطب، مودى حكيم، وجدى حبشى، وكان يشرف على كتابة الحكايات وصياغتها، وتقديمها بأسلوب سهل وجذاب الشاعر الكبير فؤاد حداد والكاتب عباس الأسوانى، وحسن فؤاد، وكان فؤاد حداد يكتب فزورة فى (بطن الغلاف) تحت عنوان (من أنا)، وكان القراء يرسلون الحلول وتمنح ثلاث جوائز لمن يتوصل للحل الصحيح، عبارة عن: «راديو ترانز ستور، كاميرا، وشطرنج كبير، أو قماش بدلة، وزجاجة كولونيا لافندر، أو نظارة شمسية»، وبالطبع كان يشرف على «حكايات صباح الخير» صاحب المشروع الفنان حسن فؤاد.

يقول إحسان عبدالقدوس بعد صدورالحكاية الثانية: «.. وفجأة رفع عبدالغنى عبدالفتاح ــ المدير العام لدار روزاليوسف ــ الراية الحمراء، أى أن هناك خطرا، لأن تكاليف الحكاية بالإضافة إلى تكاليف مجلة «صباح الخير» عملية خاسرة، لأن صباح الخير والحكاية تساوى أكثر من أربعة قروش، سعر بيع مجلة صباح الخير آنذاك.

ويكمل إحسان عبدالقدوس: «وبدأت الحيرة، حيرتى بين مسئوليتى كرئيس مجلس إدارة، يجب أن يحسب حساب الأرقام، وبين اندفاعى الفنى، وتغلب اندفاعى الفنى على إحساسى بالمسئولية تجاه قراء مجلة صباح الخير، على إحساسى بالأرقام، فالقراء فى حاجة للحكاية، إنها ليست فقط أداة للتسلية، إنها أيضا أداة للتوعية، ودار روزاليوسف لم تكن أبدا دارا تجارية، إنها دار للقراء، ومسئوليتها المباشرة هى مسئولية تجاه القراء. وتقرر أن تصدر الحكايات رغم أنف الأرقام.

ويكمل إحسان عبدالقدوس فى مقاله الذى نشره فى الحكاية الثانية المرفقة بالعدد رقم 454 من مجلة صباح الخير فيقول: «.. وسافرت إلى ألمانيا ويدى على قلبى، ولحقتنى البرقيات هناك، فقد ارتفع التوزيع فى الأسبوع الأول عشرة آلاف نسخة، فى مصر وحدها (بخلاف التوزيع خارج مصر)، وارتفع إلى خمسة عشر ألف نسخة فى الأسبوعين التاليين، وأصبحت مجلة صباح الخير أكبر المجلات توزيعا فى الشرق الأوسط، بلا استثناء». ويكمل إحسان عبدالقدوس المنحاز للقارئ المدرك لدور مؤسسة روزاليوسف كمؤسسة تنويرية: «لكن زيادة التوزيع تعنى زيادة التكاليف، إننا نكسب قراء بأعداد كبيرة، ونخسر أرقاما مهولة!، ويدى لا تزال على قلبى، لقد قضيت فى روزاليوسف خمسة وعشرين عاما، ويدى لم ترتفع من فوق قلبى».

ولكن حكايات صباح الخير استمرت فى الصدور، وواصلت نجاحها المبهر، وأخذ توزيع مجلة صباح الخير يتزايد بانتظام، والخسائر أيضا تتزايد، ولكن مسئولية دار روزاليوسف عن ثقافة القارئ وعشقه للثقافة والمعرفة والمتعة كانت هى أيضا تتزايد لصالح القارئ المصرى والعربى، واستمرت التجربة حتى وصل عدد الحكايات مئة حكاية فى نهاية عام 1966، حيث انتقل إحسان عبدالقدوس من دار روزاليوسف ليتولى رئاسة مؤسسة أخبار اليوم، فتغلبت لغة الأرقام على مصلحة القارئ، فتوقفت الحكايات عن الصدور، ولكنها تجربة ظلت تؤكد أن القارئ يذهب لمن يحترم عقله، ويقدم له الثقافة والمعرفة والمتعة فى ذات الوقت.