الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

بناء الإنسان.. أضخم موازنة اجتماعية فى تاريخ مصر

فى وقت تواجه فيه الدولة تحديات اقتصادية معقدة، تتنوع بين ارتفاع تكلفة التمويل العالمية، وضغوط خدمة الدين، والحاجة إلى زيادة الإنفاق الاجتماعى والاستثمارى، جاءت الموازنة العامة الجديدة للعام المالى 2026/ 2027، حاملة مجموعة من الأهداف الطموحة التى تسعى لتحقيق معادلة صعبة أهمها خفض الدين والعجز من ناحية، والاستمرار فى دعم النمو الاقتصادى وتحسين الخدمات العامة من ناحية أخرى.



وتعد الموازنة الجديدة الأكبر فى تاريخ مصر من حيث حجم الإنفاق والإيرادات، إذ تستهدف الحكومة رفع الإيرادات مع استمرار تحقيق فائض أولى مرتفع وخفض تدريجى لمعدلات الدين العام والعجز الكلى.

موازنة بـ5.1 تريليون جنيه

تستهدف الحكومة خلال العام المالى الجديد، زيادة المصروفات العامة إلى نحو 5.1 تريليون جنيه، مقارنة بنحو 4.6 تريليون جنيه فى العام المالى الحالى، بما يعكس استمرار التوسع فى الإنفاق على الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية وبرامج دعم النشاط الاقتصادى.

وفى المقابل، تستهدف الموازنة تحقيق إيرادات عامة بقيمة 4 تريليونات جنيه، بزيادة تبلغ %27.6 مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس رهان الحكومة على توسيع القاعدة الضريبية ورفع كفاءة التحصيل المالى دون فرض أعباء جديدة على المستثمرين أو المواطنين، ورغم الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، فإن الحكومة تراهن على استمرار مسار الانضباط المالى عبر تحقيق فائض أولى قياسى.

فائض أولى تاريخى

من أبرز مستهدفات الموازنة الجديدة، تحقيق فائض أولى بقيمة 1.2 تريليون جنيه، بما يعادل نحو % 5 من الناتج المحلى الإجمالى، وهو من أعلى المستويات التى تستهدفها المالية العامة خلال السنوات الأخيرة.

ويعنى الفائض الأولى، أن الإيرادات الحكومية تتجاوز المصروفات بعد استبعاد فوائد الدين، وهو المؤشر الذى تعتمد عليه المؤسسات الدولية لتقييم قدرة الدول على إدارة أوضاعها المالية وخفض المديونية على المدى المتوسط، حيث ترى الحكومة أن هذا الفائض سيسمح بتوفير مساحة مالية إضافية لتقليل الدين العام وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية والاستثمار فى الخدمات الأساسية.

خفض العجز إلى %4.9

تستهدف الموازنة الجديدة خفض العجز الكلى إلى 4.9% من الناتج المحلى الإجمالى بحلول يونيو 2027، مقارنة بمستويات أعلى خلال السنوات الماضية، فى إطار خطة ممتدة لتحقيق استدامة مالية طويلة الأجل، حيث يمثل خفض العجز أحد أهم المؤشرات التى تتابعها الأسواق والمؤسسات الدولية، لأنه يعكس قدرة الدولة على تقليل اعتمادها على الاقتراض لتمويل الإنفاق العام.

وتشير وثائق وزارة المالية، إلى أن الحكومة تستهدف الحفاظ على هذا المستوى من العجز خلال السنوات التالية ضمن الإطار المالى متوسط المدى.

الدين العام.. استمرار المسار النزولى

ملف الدين العام يحتل أولوية رئيسية فى الموازنة الجديدة، حيث تستهدف الحكومة خفض نسبة دين أجهزة الموازنة إلى الناتج المحلى الإجمالى لتصل إلى نحو %78 بحلول يونيو 2027، مع استمرار التراجع خلال السنوات التالية.

كما تشير وزارة المالية إلى استهداف خفض الدين إلى نحو %75.5 من الناتج المحلى فى إطار الموازنة، مع الوصول إلى مستويات تقارب %68 بحلول نهاية العقد الحالى، إذ تعتمد الخطة الحكومية فى هذا الملف على عدة محاور تشمل خفض الدين العام وزيادة الانفاق الاجتماعى.

تحسين جودة الخدمات الصحية

حرصت الحكومة، على توجيه جانب مهم من الزيادة فى الإنفاق إلى قطاع الصحة، الذى يعد أحد أكبر المستفيدين من الموازنة الجديدة.

وبحسب البيانات الحكومية، ارتفعت مخصصات الصحة بنحو %30 مقارنة بالعام السابق، وهى نسبة تفوق الزيادة العامة فى المصروفات الحكومية.

كما تم تخصيص نحو 90.5 مليار جنيه لهيئة الشراء الموحد لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة اللازمة للقطاع الصحى، بالإضافة إلى 47.5 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة ودعم التأمين الصحى والأدوية.

وتستهدف الحكومة كذلك، التوسع فى تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين فى مختلف المحافظات.

زيادة كبيرة لقطاع التعليم

قطاع التعليم جاء أيضا ضمن أكبر المستفيدين من الموازنة الجديدة، حيث ارتفعت مخصصاته بنحو 20% مقارنة بالعام المالى الحالى.

 كما شملت الاعتمادات الجديدة، تخصيص 7.8 مليار جنيه لطباعة الكتب الدراسية، و7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية، وزيادة الاستثمارات الموجهة لتطوير المدارس والمنشآت التعليمية، حيث تهدف هذه الزيادات إلى تحسين جودة العملية التعليمية ورفع كفاءة البنية التحتية للمدارس على مستوى الجمهورية.

انحياز للأكثر احتياجًا 

تؤكد الموازنة الجديدة استمرار انحياز الدولة للفئات الأكثر احتياجا، حيث تم تخصيص نحو 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية، بزيادة سنوية تبلغ %12.

 وتشمل هذه المخصصات برامج الدعم النقدى، ودعم السلع والخدمات الأساسية، وبرامج الرعاية الاجتماعية المختلفة، حيث تأتى هذه الزيادة فى إطار محاولة الحد من آثار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة على الأسر الأكثر احتياجا.

زيادة الأجور

أدرجت الحكومة الزيادات الجديدة للأجور ضمن مشروع الموازنة الجديدة، لتبدأ مع العام المالى المقبل، وتصل مخصصات الأجور إلى نحو 821 مليار جنيه، مع زيادة تقترب من %21 مقارنة بالعام السابق.

كما تتضمن الحزمة رفع الحد الأدنى للدخل إلى 8 آلاف جنيه شهريا وعلاوة دورية %12 للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية وعلاوة %15 لغير المخاطبين بالقانون. وزيادة الحافز الإضافى بقيمة 750 جنيها شهريا، إذ تتجاوز التكلفة الإجمالية لهذه الإجراءات 100 مليار جنيه وفقا لوزارة المالية.

دعم الإنتاج والتصدير

فى محاولة لتعزيز النمو الاقتصادى وزيادة القدرة التنافسية للصناعة المصرية، خصصت الحكومة 90 مليار جنيه لبرامج دعم النشاط الاقتصادى والإنتاج والتصدير، إذ يتميز هذا التوجه بربط الحوافز والبرامج التمويلية بنتائج فعلية على أرض الواقع، بما يضمن تحقيق مردود اقتصادى واضح من الأموال العامة.

مواجهة المخاطر

أخذت الموازنة الجديدة فى الاعتبار حالة عدم اليقين التى تشهدها الأسواق العالمية، لذلك رفعت الحكومة حجم الاحتياطيات والمخصصات الموجهة لمواجهة الطوارئ، إذ تشير التقديرات إلى وصول احتياطيات الطوارئ إلى نحو 262.9 مليار جنيه، بما يعادل %4.6 من إجمالى الإنفاق العام.