الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المعجزة المصرية

المعجزة المصرية

تعكس المشاركة المصرية الفاعلة، فى قمة الدول السبع الكبار «‏G7» فى مدينة إيفيان الفرنسية، تنامى القدرة المصرية الشاملة، ثمرة مسيرة طويلة من عبور التحديات وتحويل المحن إلى منح فى أخطر 15 عامًا فى تاريخ مصر الحديث. 



ففى الوقت الذى تبحث فيه الدول الكبرى عن حلول للحد من آثار الصراعات الجيوسياسية، على الاقتصاد العالمى، فإن سفينة مصر عبرت أمواج التحديات بفضل الله إلى شاطئ الأمان، وبات لدى الكبار من الثقة فى الرؤية والدور المصرى، ما يجعل من القاهرة شريكًا استراتيجيًا لإحلال الأمن والسلم فى المنطقة.

من يرجع بذاكرته 14 عامًا، هناك فى 2012، حيث اعتلى تنظيم الإخوان المتطرف السلطة، وما شهده ذلك العام من فوضى، وما أعقب إسقاط الشعب المصرى لحكم المرشد، من موجة إرهاب هى الأخطر فى تاريخ مصر الحديث، بالتزامن مع الشروع فى تنفيذ مخططات دولية لحصار مصر سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا، ثم يشاهد ما بلغته القدرة الشاملة المصرية، والأمن والاستقرار، والدور الفاعل إقليميًا ودوليًا، وصولًا إلى مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة السبع الكبار، ولقاءاته الثنائية مع زعماء العالم، وآخرها القمة الرئاسية المصرية الأمريكية، لا مفر من أن يطرق ذهنه سؤال جوهرى: كيف حققت مصر هذه المعجزة؟ 

نعم معجزة، عمودها الفقرى القدرة على بناء أضلاع مربع القوة بشكل متزامن، انطلاقًا من مبدأ الملكية الوطنية للحلول:

■ خوض معركة اقتلاع الإرهاب من جذوره وبسط الأمن والاستقرار.

■ برنامج إصلاح اقتصادى طموح بعلاجات جذرية للتحديات الموروثة لتحقيق تنمية مستدامة.

■ خطة أولويات وطنية، مدعومة شعبيًا، تحمّل فيها الشعب آثار الجراحات، ودعم المواقف وقرارات القيادة السياسية.

■ تعزيز الشراكات الاستراتيجية بما يعظم الحفاظ على محددات الأمن القومى المصرى والعربى، والسعى للمساهمة فى الأمن والسلم الدوليين.

لم يكن تحقيق ذلك أمرًا سهلًا، فكل ضلع من أضلاع مربع القدرة المصرية له استراتيجيته، وأثمان لتحقيق مستهدفاته، فالمواجهة الحاسمة للإرهاب، انطلقت من مقاربة مصرية وطنية شاملة، لها أثمانها كما لها إنجازاتها، وفى القلب من الأثمان الباهظة ما فقدناه من شهداء كتبوا بدمائهم أسماءهم فى صفحات تاريخ مصر الحديث بحروف من نور.

نعم مقاربة مصرية، كنتُ شاهدًا على عرض الرئيس عبدالفتاح السيسى لها، على أسماع العالم، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بنيويورك 24 سبتمبر 2019، فمن شرفة الصحفيين جلست أستمع بفخر إلى الرئيس السيسى الذى تحدث بلسان مصرى عربى إفريقى مُبين فى مختلف قضايا القارة والإقليم، وما أنجزته وتراه مصر محليًا، وتطوير عمل الأمم المتحدة.

حول الإرهاب، شدد الرئيس السيسى حينها على أن الإرهاب أخطر تحديات العصر، مجددًا طرح المقاربة المصرية للمواجهة الشاملة لتلك الآفة العابرة للحدود.

أول أعمدة المواجهة الحاسمة: التصدى لجميع التنظيمات الإرهابية دون استثناء، وضرورة التزام الجميع بتنفيذ كامل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومحاسبة داعمى الإرهاب بالمال والسلاح أو بتوفير الملاذات الآمنة أو المنابر الإعلامية، أو التورط فى تسهيل انتقال وسفر الإرهابيين.

تلك الكلمات التى أعقبها الرئيس السيسى بإعلانه استعداد مصر تقديم خبراتها فى مكافحة الإرهاب للدول الصديقة بالتعاون مع الأمم المتحدة، كانت منطلقة من تجربة عملية ومقاربة وطنية تم تنفيذها وحققت نجاحات على الأرض.

-1 واجهت مصر التنظيمات الإرهابية بحسم فى كل ربوع مصر وخاصة العملية الشاملة فى سيناء.

-2 جففت مصر مصادر تمويل التنظيمات بإجراءات رقابية حاسمة، وقطع الطريق على إمداد التنظيمات بعناصر أو سلاح من الخارج بإحكام السيطرة على الحدود.

-3 المواجهة الفكرية والإعلامية لهدم سردية الاستقطاب والمظلومية.

-4 تضييق الخناق على القوى التى توفر للإرهاب ملاذات آمنة أو تدعمه إعلاميًا.

-5 الدعم الشعبى لمؤسسات الدولة، فهذا الشعب هو من قدم أبناءه شهداء، وهو من صبر على آلام الجراحات الاقتصادية، وهو من موّل أول المشروعات القومية التنموية «قناة السويس الجديدة» لإرسال رسالة للإرهاب ومن خلفه مفادها: «يد تحمى ويد تبنى»، وأن مخططات إعاقة الإصلاح والتنمية مصيرها الفشل. 

استغرقت معركة اقتلاع جذور الإرهاب نهائيًا عشر سنوات، انتهت بتطهير سيناء بشكل كامل، لكن تلك السنوات العشر شهدت افتتاح مئات المشروعات القومية، لتمتد شرعية الجمهورية الجديدة من القدرة على بسط الأمن والاستقرار إلى الإنجاز التنموى الذى رسم خريطة تنموية جديدة لمصر.

فمن قناة السويس الجديدة والمنطقة الاقتصادية إلى الدلتا الجديدة، سنوات من العرق والكفاح والعمل وصبر الشعب المصرى، وأدلة إثبات يشهدها العالم يوميًا على قوة مصر المتنامية، وقدرتها الشاملة المتعاظمة تنمويًا وسياسيًا وعسكريًا.

خطة الأولويات الوطنية انطلقت من تثبيت أركان الدولة، وبناء مؤسساتها الدستورية، وتحقيق تنمية شاملة، وبناء الإنسان، فكان القضاء على العشوائيات وحياة كريمة، وتوسيع رقعة العمران، وتعزيز تلاحم النسيج الوطنى، وتنمية قدرات القوى الناعمة للدولة.

فى كل نقطة يمكن كتابة مؤلفات، بيد أن ما حدث فى الملفات كافة صاحبه ضلع بالغ الأهمية كان يسير بالتوازى، وهو بناء شراكات استراتيجية مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة كافة، لحماية محددات الأمن القومى المصرى والعربى والإقليمى.

وقد خاضت مصر اختبارات قاسية، لم تجرؤ فيها قوى إقليمية أو عالمية على فرض إرادتها على مصر، بل خرجت مصر من التحديات كافة منتصرة محققة إرادتها، بداية من الخط الأحمر ضد التدخلات الدولية فى ليبيا «سرت الجفرة»، إلى إحباط مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، فقد قاومت مصر المخطط، وفرضت مقاربتها الوطنية، وبنت جبهة دولية مؤمنة برؤية مصر وما تطرحه وأشقاؤها العرب من أنه لا سلام دائم إلا بحلول جذرية عادلة تمنح الفلسطينيين حقهم فى إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967. 

نجحت مصر فى حماية ترابها الوطنى، والقضية الفلسطينية من مخطط التصفية، وشهد العالم توقيع وقف إطلاق النار من مدينة السلام - شرم الشيخ، فكان ذلك شهادة جديدة لتنامى القدرة الشاملة المصرية وفى القلب منها الدبلوماسية.

تلك المحن التى تحولت إلى منح، خلال 15 عامًا متصلة، أسهمت فى ترسيخ صورة ذهنية حقيقية عن مصر وقوة قيادتها ومؤسساتها الوطنية، انعكست على سلوك قادة الدول الكبرى فى التعامل مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، والرؤية المصرية لتحديات الإقليم.

فقد أثبت الواقع العملى، عمق الرؤية المصرية فى جميع الملفات السابقة، وصِدق وتجرد مصر، التى تنطلق فى سياساتها الخارجية من مبدأ الحلول الوطنية، تدعم حماية الدولة الوطنية، وترفض التدخل فى شئون الآخر، وترى فى تعزيز الأمن والسلم والتعاون التنموى والحوار سبيلًا أمثل لإنهاء الصراعات والنزاعات.

بالأمس قال الرئيس دونالد ترامب خلال المؤتمر الصحفى الذى أعقب لقاءه الرئيس عبدالفتاح السيسى: «يسعدنى أن أكون مع صديقى عبدالفتاح السيسى، علاقتنا الشخصية قوية».. واصفًا الرئيس السيسى بالقيادة العظيمة.

فى هذا اللقاء، تواصل مصر حماية محددات أمنها القومى، وفى القلب منها الأمن القومى المائى، فقد جدد الرئيس ترامب تأكيده على أن الموقف الإثيوبى من سد النهضة غير عادل، مشيرًا إلى دعم مصر فى الحفاظ على حقوقها المائية.

فمصر لم تتوقف يومًا على مدار تاريخها الممتد من العمل على تعزيز علاقاتها بالأشقاء من دول حوض النيل وتدعم التنمية بما لا يخل بحقوقها الكاملة، فمياه النيل بالنسبة لمصر «مسألة حياة وقضية وجود»، بحسب تأكيدات الرئيس السيسى فى أكثر من محفل دولى.

فى اللقاء أعرب الرئيس السيسى عند تقديره لتفهم الرئيس ترامب لقضية سد النهضة، مرحبًا بتوصل أمريكا وإيران لاتفاق سلام، فدعوة مصر للسلام دائمًا لصالح الإنسانية، وهنا أشار الرئيس إلى أمنياته بتوقيع الاتفاق رسميًا.

ذكاء الرئيس السيسى فى التعامل ومصداقية مصر وعمق رؤيتها حولتها إلى شريك استراتيجى مع القوى العالمية، فالاتحاد الأوروبى يرى مصر الآن شريكًا استراتيجيًا، وأطراف النزاعات يقدرون جهود مصر فى الوساطة لإنهاء النزاعات سلميًا، بما فى ذلك الحرب الأمريكية الإيرانية.

مصر تواصل جهودها لدعم الشركاء الإقليميين والدوليين، للوصول لحلول جذرية للقضايا العالقة، ولعل التوصل لاتفاق نهائى لإنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية، يحد من آثارها السلبية على المنطقة والعالم، ويسهم فى مواصلة جهود التسوية العادلة للقضية الفلسطينية وإعادة إعمار قطاع غزة، تؤكد مصر أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومى.

الرئيس السيسى تحدث أمس الأول بلسان مصرى مبين، منطلقًا من ثوابت وطنية، فى جلسة حول «الخروج من الأزمات وضمان الاستقرار بالشرق الأوسط»، مقدمًا رؤية متكاملة، تبدأ بإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، وحماية الملاحة الدولية، والالتزام بالقانون الدولى، وحق الشعب الفلسطينى فى دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 يونيو 1967.

حفظ الله مصر شعبًا وقيادة وجيشًا.

 

باختصار

 

1-من جديد أؤكد أن التاريخ ليس حوادث وأحداثًا بل دروس وعظات، عرضها الواعى يمكّن من استقاء خبرات الماضى، لمواجهة الحاضر بتحدياته أملًا فى مستقبل أفضل بتوقعاته.

2-وهنا تكمن القراءة الواعية لأحداث التاريخ، فأخطر ما يواجه الأجيال الشابة هو السرديات المنقوصة.

3-بالأمس القريب فى العاشر من يونيو حلت ذكرى موقف تاريخى للجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، دفاعًا عن مهنة الصحافة، وحق أبنائها فى ممارسة عملهم بحرية كاملة، فى مواجهة القانون المعيب 93 لسنة 1995، الذى أُقر بلا نقاشات موضوعية ولا استماع لآراء أبناء المهنة أو ممثليهم.

4-وكون القانون المعيب، حملت مواده ما يهدد المهنة، والمصلحة الوطنية، عقدت الجمعية العمومية الطارئة، دفاعًا عن المهنة والوطن، فالحقيقة أن مصلحة المهنة والمصلحة الوطنية يتسقان ولا يتعارضان، فمن مصلحة الوطن وجود صحافة حرة تقع موقع السمع والبصر من المجتمع، تدعم وتنقد وتكشف الفساد.

5-فى تلك المعركة، لم تدَر الأزمة بلغة الصراع، ولا الشعارات الجوفاء، بل تحمّل مجلس النقابة، مدعومًا من جمعيته العمومية، مسئولياته، وغلب صوت العقل بين صفوفه، فقاد النقيب العظيم الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة الأهرام ورئيس تحريرها فى ذلك الوقت جهود الحوار مع مختلف الجهات المعنية.

6-روى لى الأستاذان الكبيران على هاشم سكرتير عام نقابة الصحفيين، فى تلك الفترة، وحاتم زكريا عضو المجلس، الذى شغل فيما بعد مقعد السكرتير العام لنقابة الصحفيين لعدة دورات، كيف أديرت تلك الأزمة، مؤكدين أن لغة الحوار والنقاش والقدرة على مقارعة الحجة بالحجة كانت الاستراتيجية التى حققت نجاح الصحفيين فى تحقيق مطالب الجمعية العمومية.

7-فالحقيقة أن القيادة الحكيمة لمجلس النقابة، برئاسة الأستاذ إبراهيم نافع تغمده الله برحمته، التقت جميع مؤسسات الدولة المعنية: برلمان، ووزراء بينهم صفوت الشريف وزير الإعلام، وانتهاءً بلقاء الرئيس محمد حسنى مبارك رحمه الله.

8-اللقاءات كان يقدم بها النقيب والمجلس رؤيتهم، ويتفادون سلبيات القانون، واستجاب الرئيس مبارك لمطالب الصحفيين، ووجه بتشكيل لجنة مشتركة تضم 6 من أعضاء مجلس النقابة، مع خبراء ورجال قانون لصياغة مشروع قانون جديد.

9-عملت اللجنة المشتركة لنحو عام حتى خرجت بقانون يحقق التوازن بين حقوق المهنة والمجتمع، فصدر القانون 96 لسنة 1996.

10- مؤكد فى ظل مثل تلك الأزمات، هناك من يرى الجنوح للحوار العاقل والتواصل البناء هو السبيل لتحقيق الهدف، وهناك من يرى فى التصعيد سبيلًا، لكن الرسالة فى تلك الأزمة التاريخية أن صوت العقل هو الذى ربح والحوار هو الذى حقق أهداف الجماعة الصحفية، فى ظل جمعية عمومية تدرك أن مصلحة المهنة والوطن لا تنفصلان بل تتكاملان.