12 عاما من التحول الاستراتيجى
«الكيان العسكرى».. عقـل الـدولـة الأكبـر عـالميًـا
د. عمر علم الدين
تأتى ذكرى ثورة 30 يونيو لتجنى مصر رؤيتها التى أنفقت عليها مليارات الدولارات ولكنها حققت بعد 12 عامًا تحولًا هو الأكثر شمولًا وعمقًا فى تاريخها العسكرى الحديث.
لم يكن هذا التحول مجرد عملية تحديث تقليدية، بل كان إعادة تأسيس شاملة لمفهوم القوة فى الدولة المصرية، حيث جرى تطوير القوات المسلحة على عدة محاور متوازية، كان أبرزها الجندى المقاتل، الذى خضع لتطوير نوعى فى التدريب والتأهيل، ثم إنشاء قوات جديدة تستجيب لطبيعة التهديدات الحديثة مثل قوات التدخل السريع، وصولًا إلى تحديث الآلة والسلاح المقاتل بما يواكب أحدث الطرازات العالمية، إلى جانب إنشاء قواعد عسكرية وأساطيل بحرية لأول مرة بهذا الاتساع فى التاريخ العسكرى المصرى الممتد منها قاعدة محمد نجيب والأسطول الجنوبى.
اعتمد تسليح القوات المسلحة المصرية منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الحكم على خطة تطوير شاملة ضمت جميع الأفرع، وبخطوات غير مسبوقة، أحدثت تطورًا نوعيًا كبيرًا على جميع المستويات، حيث تنوعت مصادر التسليح، إلى جانب إقامة شراكات استراتيجية مع كبرى الدول فى مجال التصنيع العسكرى، وهو ما ساعد على تصدر الجيش المصرى مراكز متقدمة بين جيوش العالم.
ولعل الأهم فى هذا التطور لم يكن فقط تنوع مصادر التسليح بين الغربى والشرقى ولكن النجاح الأهم تمثل فى تحقيق تكامل عملياتى فعلى بين هذه المنظومات المختلفة المصدر، مدعومًا بمستوى تدريب عميق، منحها قيمتها الحقيقية، وحولها إلى قدرة قتالية قادرة على مواكبة التطور المتسارع فى نظم وأساليب القتال أذهلت هذه الشبكة القتالية التى تم تشكيلها صناع الأسلحة أنفسهم.
الكيان العسكرى.. العقل المفكر
وفى إطار استكمال منظومة الحماية الشاملة، أنشأت الدولة المصرية مقر الكيان العسكرى للقوات المسلحة «الأوكتاجون» بالعاصمة الإدارية ليكون بمثابة العقل المفكر لهذه القوة.
ويمثل هذا الكيان أحد أكبر مراكز القيادة عالميًا، ويأتى على مساحة 22 ألف فدان وهو المركز الرابع من نوعه على مستوى العالم بعد البنتاجون الأمريكى، والمركز الاستراتيجى الروسى، والمركز الاستراتيجى فى الصين. ويضم جميع وحدات القيادة العامة للقوات المسلحة فى مكان واحد تماما كأى مقر مماثل فى العالم بما يسهم فى تسريع اتخاذ القرار وتعزيز كفاءة التنسيق.
وجاء تصميمه المعمارى ليعكس هوية الدولة المصرية، حيث يمزج بين الحضارة الفرعونية والإسلامية، ويتكون من منظومة متكاملة تضم مراكز البيانات الاستراتيجية، ومراكز إدارة الأزمات، ومراكز الاتصالات، ومراكز التحكم والتشغيل، بما يتيح إدارة الدولة عسكريًا واستراتيجيًا بأحدث نظم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى.
وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن القيادة الاستراتيجية تمثل إضافة نوعية لقدرات القوات المسلحة، بما يضمن تكامل التخطيط والتنسيق وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات بكفاءة.
وقد شهدت منظومة التسليح فى القوات المسلحة المصرية منذ عام 2014 تطورًا كبيرًا، حيث تنوعت مصادر السلاح بين دول شرقية وغربية، الأمر الذى منح الجيش المصرى مرونة كبيرة فى دمج واستخدام مختلف النظم القتالية.
ففى القوات الجوية تم إدخال مقاتلات «رافال الفرنسية متعددة المهام»، ومقاتلات «إف-16 الأمريكية» التى تمثل العمود الفقرى لسلاح الجو المصرى إلى جانب مقاتلات «ميغ-29 إم/إم2 الروسية» ومروحيات «الأباتشى AH-64» الهجومية بما يعزز القدرة على تنفيذ العمليات الجوية المعقدة وتحقيق التفوق الجوى.
أما فى القوات البحرية فقد شهدت طفرة كبيرة بامتلاك «حاملتى المروحيات ميسترال» و«الغواصات الألمانية طراز 209/1400» و«الفرقاطات متعددة المهام من طراز فريم» و«الكورفيت الحديثة متعددة المهام» إضافة إلى «لنشات الصواريخ السريعة»، وهو ما مكّن مصر من تأمين مصالحها فى البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس.
وفى قوات الدفاع الجوى، تم بناء منظومة متكاملة تشمل «منظومات إس-300 الروسية بعيدة المدى»، وأنظمة بوك-إم2، وأنظمة تور-إم2، إلى جانب أنظمة هوك، وأنظمة باتريوت، بما يشكل درعًا جويًا متعدد الطبقات قادرًا على مواجهة مختلف التهديدات.
أما القوات البرية، فقد شهدت تحديثًا واسعًا شمل «دبابات أبرامز M1A1»، و«دبابات T-90»، و«مدرعات ناقلات الجند» ومركبات BMP-3 القتالية، إلى جانب راجمات الصواريخ متعددة الأنظمة، بما يعزز القدرة على الحسم فى مسارح العمليات البرية.
وفى مجال الأسلحة الصاروخية والحرب الإلكترونية، تم إدخال «صواريخ إكزوسيت المضادة للسفن» و«صواريخ هاربون»، وصواريخ ياخونت، إلى جانب الصواريخ الموجهة بدقة للمهام جو-أرض وبري-برى، وأنظمة الحرب الإلكترونية (EW) التى تعزز القدرة على تعطيل أنظمة العدو.
توطين الصناعة العسكرية
ولم تكتف مصر بعمليات التحديث، بل اتجهت إلى توطين الصناعات الدفاعية، من خلال شراكات استراتيجية مع كبرى الدول، وهو ما انعكس فى إطلاق معرض «إيديكس» الدولى، الذى أصبح أحد أهم معارض السلاح فى المنطقة.
وشهدت النسخة الرابعة من معرض «EDEX 2025» الإعلان عن أكثر من 20 منتجًا عسكريًا جديدًا محلى الصنع لأول مرة، حيث قدمت الهيئة العربية للتصنيع 18 منتجًا جديدًا ضمن 57 منتجًا، من بينها «منظومة متكاملة لمكافحة الطائرات بدون طيار (C-UAS) «، و”ذخيرة جوالة انتحارية «، و”العربة القتالية غير المأهولة (العقرب).
كما أعلنت وزارة الإنتاج الحربى عن عدد من المنتجات والتطويرات الجديدة، من أبرزها «راجمة الصواريخ المجنزرة ردع 300»، و«مركبة الإصلاح والنجدة سينا 806»، و«منصة مدفع 23 مم المحمولة على مركبة 4×4»، إلى جانب «تطوير الصلب المدرع المصري»، و«النسخة المطورة من راجمة رعد 200».
وقد جاءت هذه الجهود فى سياق تعزيز القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتى، وتقليل الاعتماد على الخارج، وبناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قوية.
وتشير تقارير دولية، من بينها معهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام، إلى ارتفاع واردات مصر من الأسلحة بنسبة 136% خلال الفترة من 2011-2015 إلى 2016-2020، وهو ما يعكس حجم عملية التحديث الشامل.
وقد انعكست هذه القدرات على قدرة الدولة فى مواجهة التهديدات الأمنية فى سيناء، وعلى الحدود الغربية مع ليبيا، إضافة إلى تأمين المصالح البحرية فى البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس.
وفى ظل الصراعات الإقليمية التى لا يتوقف فيها صوت البارود ووجود عدو متربص وتوتر على الاتجاهات الاستراتيجية كان آخرها ضبط ١٠٠ ألف فرد هجرة غير شرعية ومضبوطات تقدر بـ٤٠ مليار جنيه لم يعد تسليح القوات المسلحة المصرية مجرد وسيلة للدفاع بل أصبح عنصر ردع استراتيجى ورسالة طمأنة للشعب المصرى بأن الدولة تمتلك القدرة على حماية أمنها القومى وصون مقدراتها وأن القوة لا تقاس فقط بامتلاك السلاح بل بقدرة الدولة على إدارة هذه القوة بكفاءة فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.






