الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

5 عقود هزت أركانها وجاءت لحظة الإنقاذ

الجامعات من ساحة للاستقطاب والتحريض إلى منارة للعلم والتثقيف السياسى

لم تكن الجامعات المصرية منذ سبعينيات القرن الماضى مجرد مؤسسات لتلقى العلم، بل ‏تحولت فى فترات مختلفة إلى ساحات مفتوحة لاستقطاب الشباب ومغازلة حماسهم، حيث ‏ضجت المدرجات والساحات بشعارات حماسية رنانة استغلت عواطف الطلاب، لتتحول الأنشطة الطلابية ‏بمرور الوقت من واجهة للعمل الخدمى إلى ساحة للصراع الفكرى والسياسى.‏



ومع تعاقب العقود، تغير المشهد بين انتشار التغلغل الأيديولوجى قديمًا، وصولاً إلى ذروة ‏الانقسام والعنف داخل الحرم الجامعى بعد 25 يناير 2011، ومع ثورة 30 يونيو، استعادت ‏الجامعات رسالتها المقدسة باعتبارها محرابًا للعلم، وبناء الوعى، ومنبرًا للتثقيف السياسى ‏المسئول القائم على المواطنة، بعيدًا عن الفوضى والتخريب.

وفى هذا التقرير ترصد جريدة «روزاليوسف»، رحلة ‏‎5‎‏ ‏عقود من المنعطفات الفكرية، وتوضح كيف تغيرت الجامعات من ساحات للاستقطاب إلى ‏منارات لبناء الإنسان فى الجمهورية الجديدة، من خلال شهادات لخبراء الشئون السياسية، وباحثى الجماعات ‏المتطرفة، ورؤساء الجامعات المصرية.‏

‏«صناعة الوعى»‏

الدكتور حسان النعمانى، رئيس جامعة سوهاج، يقول: «إن الجامعات شهدت تحولًا جذريًا ‏بفضل مكتسبات ثورة 30 يونيو، ورؤية القيادة السياسية للاستثمار فى عقول الشباب، حيث ‏تحولت أروقة الجامعة إلى منارات حقيقية لبناء الإنسان واكبت الجمهورية الجديدة، لينتقل ‏الطالب من ركود الأنشطة إلى التمكين الحقيقى كشريك أساسى فى صنع القرار»، موضحًا أن ‏هذا التحول رافقه توسع جغرافى وإنشائى هائل، إلى جانب طفرة التحول الرقمى الشامل التى ‏نقلت المعاملات من النظام الورقى والكتاب المطبوع إلى منصات التعليم الإلكترونى ‏والاختبارات المميكنة.‏

رئيس جامعة سوهاج، يرى أن تنمية الوعى تمثل خط الدفاع الأول عن الوطن، لافتًا إلى الدور ‏المحورى لكيان «طلاب من أجل مصر» فى تنظيم الندوات التثقيفية، وحملات التوعية، ‏والاحتفاليات الضخمة بذكرى الثورة، إلى جانب تنظيم برامج المحاكاة السياسية كنموذج ‏مجلس النواب لتعميق فهم الطلاب بآليات اتخاذ القرار، كما وضعت الجامعة برنامجًا موسعًا ‏للزيارات الميدانية لمعايشة مؤسسات الدولة، شملت القواعد العسكرية، ومجلسی البرلمان، ‏ومركز معلومات دعم اتخاذ القرار، للتعرف على نظم إدارة الأزمات، فضلًا عن الجولات ‏المستمرة لمشروعات «حياة كريمة» ليعاين الطلاب حجم الإنجاز ويشاركوا فى خدمة ‏مجتمعهم.‏

وحول الموازنة بين الحرية والانضباط، يؤكد «النعمانى» أن الجامعة تفتح أبوابها للتعبير عن الآراء ‏عبر القنوات الشرعية كالاتحادات والصالونات الثقافية، مع الالتزام الصارم بالقانون ‏والأعراف الجامعية، ومنع الممارسات الحزبية الضيقة أو التخريب، للوصول إلى انضباط ‏ذاتى نابع من الاحترام المتبادل، منوهًا إلى القفزات غير المسبوقة لجامعة سوهاج فى التصنيفات الدولية مثل «تايمز» و«شنغهاى»، ودخول علمائها قائمة جامعة ستانفورد لأفضل ‏‏20 من علماء العالم، بفضل ارتفاع معدلات النشر الدولى وربط البحث العلمى بقضايا التنمية ‏المستدامة فى الصعيد كأبحاث الطاقة المتجددة وتدوير المخلفات.‏

‏«مخططات الاستقطاب»‏

ماهر فرغلى، الباحث فى شئون الجماعات الإسلامية، يوضح أن الجامعات كانت منذ ‏السبعينيات إحدى أهم ساحات الاستقطاب بالنسبة للتنظيمات المتطرفة، التى نظرت للطلاب ‏باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على التأثير المجتمعى بعد التخرج، حيث بدأ نشاط هذه الجماعات ‏تدريجيًا من المدارس، وصولًا للحرم الجامعى استغلالًا لحماس الشباب فى هذه المرحلة ‏العمرية، مضيفًا: «أن عمليات الاستقطاب تمت بشكل ممنهج عبر الأنشطة الدينية بمساجد ‏الكليات، وتوزيع المذكرات الدراسية المجانية، وتنظيم الرحلات والمعسكرات، والتغلغل داخل ‏المدن الجامعية لتجنيد الطلاب المغتربين وبناء القواعد التنظيمية»، مشيرًا إلى أن الجامعات بعد 30 يونيو شهدت تراجعًا حاسمًا لهذه الممارسات ‏الهدامة، مما أعادها للتركيز على رسالتها التعليمية والبحثية فى إطار القانون.‏

‏«أخونة العقول»‏

الدكتورة حنان أبوسكين، رئيس قسم بحوث الرأى العام بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية ‏والجنائية، تعتبر أن النخبة الأكاديمية كانت هدفًا رئيسيًا لاستهداف تنظيم الإخوان، نظرًا لوعى الأساتذة بمشروعهم غير الوطنى الساعى لتقويض الدولة وتمرير اجندة مكتب الإرشاد والتنظيم ‏الدولى، لافتة إلى أن الجامعات شهدت اعتداءات ومحاولات أخونة واسعة، لا سيما جامعة ‏الأزهر، حتى جاءت ثورة 30 يونيو كطوق نجاة استرد الهوية الوطنية للبلاد.‏

كما تنسب «أبوسكين»، أزمة غياب الكوادر السياسية المؤهلة سابقًا إلى تراجع دور المؤسسات ‏التعليمية فى فترات ماضية، لافتة إلى الاهتمام الحالى بتدارك ذلك عبر نماذج المحاكاة ‏والأنشطة، خاصة بكليات العلوم السياسية، بوصف الجامعة ركيزة التربية على المواطنة ‏ومواجهة الشائعات عبر الأطر الشرعية، وفى رأيها تنحصر المهمة الأساسية للجامعة فى بناء ‏عقل تنويرى يمتلك مهارة التفكير النقدى، القادر على فرز الأفكار الهدامة.‏

الباحثة الاجتماعية، تفسر وقوع بعض الأطباء والمهندسين سابقًا فى فخ الاستقطاب باقتصار دراستهم ‏على المواد العلمية البحتة دون العلوم الاجتماعية والسياسية، مطالبة بإدراج مادة للتفكير ‏النقدى بجميع الكليات العملية، لمواجهة التطرف وإعمال العقل، فكل فكر منحرف يضحده فكر ‏مستنير، منوهة إلى الطفرة الحالية التى تشهدها الجامعات من حيث ربط المخرجات بسوق ‏العمل، وتطوير مناهج حقوق الإنسان، بينما يتم استيعاب الطلاب مع الحفاظ على قيم المواطنة ‏والانتماء.‏

‏«المواجهة الحتمية»‏

الدكتور إكرام بدرالدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يرى أن الدور الأساسى ‏للجامعات أكاديمى وتنويرى قائم على التثقيف المسئول، بعيدًا عن الصراعات الحزبية أو ‏الأيديولوجية، مستهدفة بناء الوعى وغرس القيم الإيجابية، وتعريف الطلاب بقضايا الوطن ‏وتحدياته، وطرح برامج الأحزاب السياسية فى إطار حيادى دون انحياز، ويأتى تعزيز قيم ‏المشاركة السياسية كجزء أصيل من هذا كونها قيمة وطنية راسخة تعمق جبهتنا الداخلية.‏

أستاذ العلوم السياسية، يتابع: «أن تحصين عقول الطلاب أصبح ضرورة حتمية فى مواجهة ‏حروب الجيل الرابع، القائمة على بث الشائعات، وتصدير الأخبار المضللة، ومحاولات ‏إضعاف الجبهة الداخلية يمثل حائط الصد الأساسى ضد محاولات الاختراق الفكرى، وتتجلى ‏هذه الأهمية فى الدور المحورى للجامعة بتمكين الشباب من التمييز بين الحقائق والأكاذيب، ‏ويفرز جيلا قادرا على مواجهة التحديات الفكرية، لكون أن استقرار الحرم الجامعى وابتعاده عن ‏الصراعات الداخلية، ينعكسان مباشرة على استقرار المجتمع، ويعززان مسيرة بناء الإنسان ‏وصناعة الوعى بالتكامل مع مؤسسات الدولة.‏