5 عقود هزت أركانها وجاءت لحظة الإنقاذ
الجامعات من ساحة للاستقطاب والتحريض إلى منارة للعلم والتثقيف السياسى
محمد السيد
لم تكن الجامعات المصرية منذ سبعينيات القرن الماضى مجرد مؤسسات لتلقى العلم، بل تحولت فى فترات مختلفة إلى ساحات مفتوحة لاستقطاب الشباب ومغازلة حماسهم، حيث ضجت المدرجات والساحات بشعارات حماسية رنانة استغلت عواطف الطلاب، لتتحول الأنشطة الطلابية بمرور الوقت من واجهة للعمل الخدمى إلى ساحة للصراع الفكرى والسياسى.
ومع تعاقب العقود، تغير المشهد بين انتشار التغلغل الأيديولوجى قديمًا، وصولاً إلى ذروة الانقسام والعنف داخل الحرم الجامعى بعد 25 يناير 2011، ومع ثورة 30 يونيو، استعادت الجامعات رسالتها المقدسة باعتبارها محرابًا للعلم، وبناء الوعى، ومنبرًا للتثقيف السياسى المسئول القائم على المواطنة، بعيدًا عن الفوضى والتخريب.
وفى هذا التقرير ترصد جريدة «روزاليوسف»، رحلة 5 عقود من المنعطفات الفكرية، وتوضح كيف تغيرت الجامعات من ساحات للاستقطاب إلى منارات لبناء الإنسان فى الجمهورية الجديدة، من خلال شهادات لخبراء الشئون السياسية، وباحثى الجماعات المتطرفة، ورؤساء الجامعات المصرية.
«صناعة الوعى»
الدكتور حسان النعمانى، رئيس جامعة سوهاج، يقول: «إن الجامعات شهدت تحولًا جذريًا بفضل مكتسبات ثورة 30 يونيو، ورؤية القيادة السياسية للاستثمار فى عقول الشباب، حيث تحولت أروقة الجامعة إلى منارات حقيقية لبناء الإنسان واكبت الجمهورية الجديدة، لينتقل الطالب من ركود الأنشطة إلى التمكين الحقيقى كشريك أساسى فى صنع القرار»، موضحًا أن هذا التحول رافقه توسع جغرافى وإنشائى هائل، إلى جانب طفرة التحول الرقمى الشامل التى نقلت المعاملات من النظام الورقى والكتاب المطبوع إلى منصات التعليم الإلكترونى والاختبارات المميكنة.
رئيس جامعة سوهاج، يرى أن تنمية الوعى تمثل خط الدفاع الأول عن الوطن، لافتًا إلى الدور المحورى لكيان «طلاب من أجل مصر» فى تنظيم الندوات التثقيفية، وحملات التوعية، والاحتفاليات الضخمة بذكرى الثورة، إلى جانب تنظيم برامج المحاكاة السياسية كنموذج مجلس النواب لتعميق فهم الطلاب بآليات اتخاذ القرار، كما وضعت الجامعة برنامجًا موسعًا للزيارات الميدانية لمعايشة مؤسسات الدولة، شملت القواعد العسكرية، ومجلسی البرلمان، ومركز معلومات دعم اتخاذ القرار، للتعرف على نظم إدارة الأزمات، فضلًا عن الجولات المستمرة لمشروعات «حياة كريمة» ليعاين الطلاب حجم الإنجاز ويشاركوا فى خدمة مجتمعهم.
وحول الموازنة بين الحرية والانضباط، يؤكد «النعمانى» أن الجامعة تفتح أبوابها للتعبير عن الآراء عبر القنوات الشرعية كالاتحادات والصالونات الثقافية، مع الالتزام الصارم بالقانون والأعراف الجامعية، ومنع الممارسات الحزبية الضيقة أو التخريب، للوصول إلى انضباط ذاتى نابع من الاحترام المتبادل، منوهًا إلى القفزات غير المسبوقة لجامعة سوهاج فى التصنيفات الدولية مثل «تايمز» و«شنغهاى»، ودخول علمائها قائمة جامعة ستانفورد لأفضل 20 من علماء العالم، بفضل ارتفاع معدلات النشر الدولى وربط البحث العلمى بقضايا التنمية المستدامة فى الصعيد كأبحاث الطاقة المتجددة وتدوير المخلفات.
«مخططات الاستقطاب»
ماهر فرغلى، الباحث فى شئون الجماعات الإسلامية، يوضح أن الجامعات كانت منذ السبعينيات إحدى أهم ساحات الاستقطاب بالنسبة للتنظيمات المتطرفة، التى نظرت للطلاب باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على التأثير المجتمعى بعد التخرج، حيث بدأ نشاط هذه الجماعات تدريجيًا من المدارس، وصولًا للحرم الجامعى استغلالًا لحماس الشباب فى هذه المرحلة العمرية، مضيفًا: «أن عمليات الاستقطاب تمت بشكل ممنهج عبر الأنشطة الدينية بمساجد الكليات، وتوزيع المذكرات الدراسية المجانية، وتنظيم الرحلات والمعسكرات، والتغلغل داخل المدن الجامعية لتجنيد الطلاب المغتربين وبناء القواعد التنظيمية»، مشيرًا إلى أن الجامعات بعد 30 يونيو شهدت تراجعًا حاسمًا لهذه الممارسات الهدامة، مما أعادها للتركيز على رسالتها التعليمية والبحثية فى إطار القانون.
«أخونة العقول»
الدكتورة حنان أبوسكين، رئيس قسم بحوث الرأى العام بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تعتبر أن النخبة الأكاديمية كانت هدفًا رئيسيًا لاستهداف تنظيم الإخوان، نظرًا لوعى الأساتذة بمشروعهم غير الوطنى الساعى لتقويض الدولة وتمرير اجندة مكتب الإرشاد والتنظيم الدولى، لافتة إلى أن الجامعات شهدت اعتداءات ومحاولات أخونة واسعة، لا سيما جامعة الأزهر، حتى جاءت ثورة 30 يونيو كطوق نجاة استرد الهوية الوطنية للبلاد.
كما تنسب «أبوسكين»، أزمة غياب الكوادر السياسية المؤهلة سابقًا إلى تراجع دور المؤسسات التعليمية فى فترات ماضية، لافتة إلى الاهتمام الحالى بتدارك ذلك عبر نماذج المحاكاة والأنشطة، خاصة بكليات العلوم السياسية، بوصف الجامعة ركيزة التربية على المواطنة ومواجهة الشائعات عبر الأطر الشرعية، وفى رأيها تنحصر المهمة الأساسية للجامعة فى بناء عقل تنويرى يمتلك مهارة التفكير النقدى، القادر على فرز الأفكار الهدامة.
الباحثة الاجتماعية، تفسر وقوع بعض الأطباء والمهندسين سابقًا فى فخ الاستقطاب باقتصار دراستهم على المواد العلمية البحتة دون العلوم الاجتماعية والسياسية، مطالبة بإدراج مادة للتفكير النقدى بجميع الكليات العملية، لمواجهة التطرف وإعمال العقل، فكل فكر منحرف يضحده فكر مستنير، منوهة إلى الطفرة الحالية التى تشهدها الجامعات من حيث ربط المخرجات بسوق العمل، وتطوير مناهج حقوق الإنسان، بينما يتم استيعاب الطلاب مع الحفاظ على قيم المواطنة والانتماء.
«المواجهة الحتمية»
الدكتور إكرام بدرالدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يرى أن الدور الأساسى للجامعات أكاديمى وتنويرى قائم على التثقيف المسئول، بعيدًا عن الصراعات الحزبية أو الأيديولوجية، مستهدفة بناء الوعى وغرس القيم الإيجابية، وتعريف الطلاب بقضايا الوطن وتحدياته، وطرح برامج الأحزاب السياسية فى إطار حيادى دون انحياز، ويأتى تعزيز قيم المشاركة السياسية كجزء أصيل من هذا كونها قيمة وطنية راسخة تعمق جبهتنا الداخلية.
أستاذ العلوم السياسية، يتابع: «أن تحصين عقول الطلاب أصبح ضرورة حتمية فى مواجهة حروب الجيل الرابع، القائمة على بث الشائعات، وتصدير الأخبار المضللة، ومحاولات إضعاف الجبهة الداخلية يمثل حائط الصد الأساسى ضد محاولات الاختراق الفكرى، وتتجلى هذه الأهمية فى الدور المحورى للجامعة بتمكين الشباب من التمييز بين الحقائق والأكاذيب، ويفرز جيلا قادرا على مواجهة التحديات الفكرية، لكون أن استقرار الحرم الجامعى وابتعاده عن الصراعات الداخلية، ينعكسان مباشرة على استقرار المجتمع، ويعززان مسيرة بناء الإنسان وصناعة الوعى بالتكامل مع مؤسسات الدولة.






