محمد صلاح
عيد «الحنوكاه».. والرهان الخاسر
لم يكن غريبا أو مفاجئا أن يعترف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، فى هذا التوقيت تزامنا مع احتفالات اليهود بعيد «الحنوكاه» الذى يعتبرونه بمثابة انطلاقة جديدة لإعادة بناء هيكلهم المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
فالرئيس الأمريكى يعمل بعقلية التاجر الذى يستفيد بجميع أوراق اللعبة، فبعدما نجح فى تجريف خزائن الدول العربية، قرر أن يمنح ما لايملكه إلى ما لا يستحقه، بعد مائة عام على وعد بلفور المشئوم عام 1917، الذى منح وطنا لليهود على أرض فلسطين، والآن إقرار جديد بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى مدينة القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.
ترامب المتوتر، قرر أن يكسب إسرائيل ويخسر المجتمع الدولى، فألقى بالقنابل الموقوتة فى كل مكان، للتشويش على حالة عدم الاستقرار قد تعصف بإدارته، بعد فضيحة الاتصالات السرية مع روسيا خلال الانتخابات الرئاسية، وفشله فى الرد على صواريخ كوريا الشمالية النووية، مبررا ذلك بتنفيذ ما وعد به اللوبى الصهيونى خلال حملته للانتخابات الرئاسية، وهو عذر أقبح من ذنب، وكشف عن الوجه الحقيقى للولايات المتحدة، وانحيازها الدائم للكيان الصهيونى، حيث مهد ترامب لهذا القرار بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، وإلغاء المنح والمساعدات للسلطة الفلسطينية.
ومما لا شك فيه، فإن رهانات الرئيس الأمريكى خاسرة، فلن يخفف اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، من المأزق الذى تعانى منه إدارته، بل سقطت واشنطن فى مستنقع الإرهاب، الذى استهدف قلب مدينة مانهاتن، خلال الساعات القليلة الماضية.
على العالم العربى والإسلامى، أن يتوجه بالشكر للرئيس الأمريكى الذى ألقى بحجر فى المياه الراكدة، وأعاد القدس إلى صدارة اهتمامات العرب والمسلمين بل المجتمع الدولى.
للمرة الأولى.. يتخذ وزراء الخارجية العرب قرارا موحدا رافضا للرئيس الأمريكى الذى وضع نهاية كارثية لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين التى انطلقت عام 1994 برعاية أمريكية.
قرارات الدول العربية كانت حاسمة وواضحة، ووصفت قرار ترامب بـ«الباطل» وأن ما بنى على باطل، فهو باطل ولا ينشئ أى واقع جديد يمس الوضعية التاريخية للقدس وضعية القدس التاريخية الثابتة بقرارات أممية، وبمبادئ القانون الدولى الذى لا يجيز الاستيلاء على الأرض بالقوة.
المجتمع الدولى أيضا مستمر فى حصار الموقف الأمريكى، وعلى العرب والمسلمين استغلال تلك الفرصة، وأن تظل القدس حديث العالم، وعلى الدول الأعضاء البالغ عددهم 57 دولة فى منظمة المؤتمر الإسلامى حسم هذا الجدل وأن تتجاوز قراراتهم عبارات الشجب والإدانة والاستنكار، وأن تتخذ قرارا حاسما تعترف فيه بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين.
نحن الآن نعيش فى زمن لا يعترف إلا بالأقوياء، فعلى الدول الفاعلة فى المنطقة العربية التوحد لمواجهة التحديات التى تستهدف تفكيك تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة.
على الفصائل الفلسطينية بجميع انتماءاتها أن تدرك أهمية تلك اللحظة الفارقة فى تاريخ الشعب الفلسطينى، وأن تتوحد وتستمع إلى صوت العقل، وتنبذ الخلافات وتستجيب للجهود الحثيثة التى تبذلها مصر لتحقيق المصالحة، وألا يغريها المصالح الشخصية، أو الدولارات التى تأتيها من قطر أو تركيا، حتى يتحقق الهدف السامى بإعلان دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 يونيو 1967.






