محمد صلاح
البنسلين.. أزمة ضمير
الدواء أمن قومى.. والعلاج حق إنسانى كفله الدستور لجميع المواطنين، فلا يمكن للدولة بأى حال من الأحوال أن تترك أمنها القومى فى يد حفنة من معدومى الضمير المتلاعبين بآلام وأوجاع ملايين المرضى، لتحقيق أرباح طائلة، حتى لو كانت النتيجة ارتكاب جرائم قتل للملايين مع سبق الإصرار والترصد.
اختفاء عبوات البنسلين استمرت 240 يوما، وكشفت عن مافيا الطابور الخامس، ومعركة تصفية حسابات بين مسئولين كبار فى شركات الأدوية، للسيطرة على سوق الدواء، دون مراعاة لآلام 3 ملايين مريض أغلبهم من الأطفال وكبار السن يعانون من أمراض لعينة تنهش أجسادهم النحيلة، أبرزها الحمى الروماتيزمية والتهاب المفاصل والالتهاب الرئوى ونزلات البرد وتسمم الدم وأمراض القلب والعظام والسل والغرغرينا
13 إبريل 2017، كانت ساعة الصفر لبداية أزمة الاختفاء المفاجئ من الصيدليات لأول مضاد حيوى خرج للنور قبل 88 عاما ، وتطورت الأزمة حتى أصبح وجوده قاصرا على السوق السوداء، وبعدها ارتفع سعره تدريجيا من 9 جنيهات للعبوة الواحدة إلى 200 جنيه، فاللعب فى سوق الدواء على عينك يا تاجر، دون ضوابط أو رقابة من الحكومة.
ثمانية أشهر لم تحرك أنات وآلام المرضى ودموعهم ساكنا لدى مافيا الأدوية، ولم تشفع لهم نوم ذويهم ليال طويلة أمام صيدلية الإسعاف، واحتشادهم فى طوابير طويلة للفوز بحقنة بنسلين تخفف عن أبنائهم وآبائهم وأمهاتهم آلام المرض.
ثمانية أشهر، كعادتها عانت وزارة الصحة من حالة الارتباك وصراع الأجنحة وفقدت القدرة على اتخاذ القرار الحاسم والناجز لمواجهة مافيا الأدوية، واكتفت بالمسكنات حتى استفحلت الأزمة وطفت على السطح وأصبح الحصول على عبوة البنسلين أشبه بحلم ليلة صيف.
المؤامرة على صحة المصريين، كشفت خيوطها هيئة الرقابة الإدارية، حيث بدأت معركة تصفية الحسابات فى 13 إبريل 2017، عندما أطاحت ألفت غراب رئيس مجلس إدارة شركة أكديما الحكومية بـ«مدحت شعراوى» من رئاسة مجلس إدارة شركة أكديما انترناشيونال المسجل المستحضر باسمها والتى تملك حق استيراد وتصدير البنسلين طويل المفعول.
الرئيس السابق للشركة أسس شركة خاصة به وبأسرته تسمى «تكنوفارم» للسيطرة على سوق البنسلين المستورد والمحلى، وبهدف الضغط على شركة أكديما الحكومية للحصول منها على تعويضات مالية بعد الإطاحة به، قرر تعطيش السوق من البنسلين حتى اختفى من الصيدليات، بعدما توقف عن استيراده نهائيا، وأبلغ الشركة الصينية الموردة بالتوقف عن توريد أى شحنة إلا بموافقته شخصيا.
للأسف الشديد، ملايين المرضى سقطوا ضحية تصفيات حسابات بين المسئولين عن شركات الأدوية، وتراجعت 7 شركات حكومية لتصنيع واستيراد البنسلين من بينها 5 شركات تصنيع هى « النيل والنصر ومصر وسيد والمهن الطبية» وشركتان للاستيراد « أكديما انترناشونال وأكتوبر فارما»، عن دورها فى توفير البنسلين لملايين المرضى.
وما يثير دهشة المتابعين للأزمة ما تردد أن بعض الشركات المصنعة للبنسلين كانت تصدره للخارج لتحقيق أرباح طائلة، وتركت ملايين المرضى البسطاء يعانون من الآلام، رغم أن السوق المحلية تحتاج 6 ملايين عبوة سنويا.
وزارة الصحة ما زالت لا تمتلك الاستراتيجية المناسبة لتوفير الأدوية للمصريين، وتركت توفير الدواء، فى يد مافيا من رجال الأعمال لا هدف لهم إلا الضغط على الحكومة والمرضى لتحقيق أرباح طائلة.






