الانتقاء
فى عام 1447 ميلادية قام المخترع الألمانى الشهير يوهان جوتنبرج باختراع آلة الطباعة الحديثة والتى يعتبرها عدد كبير من الناس هى أعظم وأكثر اختراع تأثيرا فى البشرية لأنها ببساطة سمحت بحفظ ونشر المعرفة بين عدد كبير من سكان الأرض... قبلها كانت الأمور صعبة جدا... عدد النسخ من الكتب كان محدودا... النسخ كان يدويا...عدد النسخ كان محدودا جدا... إمكانية الاطلاع والمعرفة...نشر العلوم واستفادة البشر منها كان محدودا... بالطبع كتم العلم وحبس المعرفة وقصرها على عدد محدود من البشر كان سهلا.... طمس الحضارات والمعارف كان سهلا أيضا... سقوط بغداد عام 1258 ميلادية على يد المغول... دمروا بيت الحكمة وغيره من مكتبات بغداد النفيسة...تراث العرب الذى جمعه العباسيون عبر السنوات... جهد وعرق وإبداع البشرية... تم تدميره وإلقاء الكتب فى نهر دجلة حتى أنه يقال إن لون النهر تحول إلى اللون الأسود...لون المداد الذى سطرت به المعرفة فى هذه الكتب.... كان الاعتماد على نسخ قليلة لبعض من هذه الكتب هنا أو هناك...بصورة عشوائية غير منظمة حدثت عدة محاولات لاستعادة تلك الثروة....
منذ عصر الطباعة وحتى بداية التسعينيات من القرن الماضى والمعرفة باتت أكثر انتشارا... انتشرت المطابع اليدوية ثم الآلية... تطبع يوميا آلاف الكتب وملايين الصحف والمجلات حول العالم...المعرفة أصبحت متاحة بدرجة أكبر من ذى قبل... أصبح متاحا لعدد أكبر من الباحثين والمتخصصين والطلبة والعامة... أن يتجهوا إلى المكتبات العامة للاطلاع والاستعارة... أو الشراء من المكتبات التجارية ودور النشر...أصبح ممكنا أيضا شحن الكتب والدوريات العلمية والاشتراك بها وتأتى عبر البريد العادى وفى شكل طرود أيضا.... الإتاحة أصبحت لعدد أكبر بعدما دخلت أيضا تقنيات تصوير المستندات... أصبح فى إمكانية الكثير الاستفادة من نسخة واحدة مطبوعة...وبغض النظر عن حقوق الملكية الفكرية وحقوق الطبع والنشر واللتان طفتا على السطح مؤخرا...فإن المعرفة باتت أكثر انتشارا لأعداد أكثر وأكثر من المستفيدين...
مع بداية التسعينيات وانتشار شبكة الإنترنت وزيادة المحتوى المعلوماتى عليها...واستخدامها فى التجارة المحلية والبينية بين الدول... والتحول إلى العالم الرقمى للكتاب والجريدة والمجلة والتقارير الدولية والأبحاث العلمية... وأيضا انتشار تقنيات الوسائط المتعددة من صوت وصورة ومقاطع فيديو...باتت المعرفة متاحة كما لم تكن من قبل...عصر الإنترنت هو الطفرة الثانية للبشرية بعد اختراع آلة الطباعة الحديثة...لا توجد حجة لأحد لعدم توافر المعلومات....من قال لا أعلم عليه أن يبحث ليعلم ويفيد نفسه ويفيد من حوله... أسرته الصغيرة ومجتمعه الأكبر ويفيد بلده والبشرية كلها... المفتاح الآن أصبح «الانتقاء».... كيف تنتقى المعلومات وتمحصها وتحللها وتنقيها من الشوائب والأخطاء...ثم تستخدمها للفائدة الخاصة والعامة...ذلك هو لب الموضوع... وحذار من استمرار البقاء فى مربع التسلية والفكاهة على شبكة الإنترنت... يجب أن تكون الاستفادة الحقيقية والمعلومات الهادفة هى الهدف الرئيسى ... لتطويعها من أجل التنمية... التنمية الذاتية وتنمية الدولة ...لا مانع من القليل من الترفيه المقنن...تلك هى خلطة الحاضر للمستقبل المنشود....وللحديث بقية.






