الخميس 11 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المناخ والأمن المائى.. معركة البقاء فى يوم البيئة العالمى

المناخ والأمن المائى.. معركة البقاء فى يوم البيئة العالمى

فى الخامس من يونيو من كل عام، يقف العالم أمام مرآة الضمير البيئى فى يوم البيئة العالمى، ذلك الحدث الأممى الذى لم يعد مجرد مناسبة رمزية، بقدر ما أصبح جرس إنذار حضارى يذكر البشرية بأن كلفة التباطؤ البيئى باتت أعلى من كلفة الفعل.



 ويأتى احتفال هذا العام تحت شعار بالغ الدلالة: «دعوة عالمية إلى العمل المناخي»، مدعومًا بحملة دولية أكثر إلحاحًا: «نحو العمل المناخى الآن»، فى رسالة واضحة مفادها أن زمن التشخيص قد انتهى، وأن ساعة التنفيذ قد دقّت.

وفى قلب هذا المشهد العالمى، تشارك الدولة المصرية هذا الحدث من موقع التحدى الحقيقى، لا من باب التضامن الشكلى؛ فمصر تُعد من أكثر دول العالم تأثرًا بتغير المناخ، ليس فقط من حيث ارتفاع درجات الحرارة أو تهديد السواحل، بل- وربما قبل كل شىء - من زاوية الأمن المائى، الذى يمثل العصب الخفى لكل أبعاد الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

هنا، تبرز الزراعة لا كقطاع إنتاجى تقليدى، بل كخط الدفاع الأول فى معركة المناخ، وحيث تصبح قطرة الماء وحدة القياس الحقيقية لنجاح السياسات، ومعيارًا رشيدًا لاتخاذ القرار.

الأمن المائى.. البعد البيئى للأمن القومى

تعتمد مصر بنسبة تتجاوز 97% على مورد مائى واحد هو نهر النيل، بحصة رسمية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، فى حين يُقدَّر إجمالى الطلب المائى بما يزيد على 110– 115 مليار متر مكعب سنويًا.

 ويتم سد هذه الفجوة عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى، واستنزاف المياه الجوفية، والاستيراد غير المباشر للمياه فى صورة غذاء.

ويُقدَّر نصيب الفرد من المياه فى مصر بأقل من 500 متر مكعب سنويًا، وهو مستوى يضع البلاد تحت خط الفقر المائى الحاد وفقًا للمعايير الدولية (1000 م³/فرد/سنة). ومع التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات البخر، تصبح كل قطرة ماء مهددة، وكل قرار مائى– زراعى أو صناعى– قرارًا سياديًا بامتياز.

من هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن العمل المناخى فى مصر دون وضع الزراعة والأمن المائى فى صدارة المشهد.

الزراعة والعمل المناخى.. علاقة مصير لا خيار

تُعد الزراعة القطاع الأكثر استهلاكًا للمياه فى مصر، حيث تستحوذ على نحو من 80– 85% من إجمالى الموارد المائية المستخدمة. لكنها فى الوقت نفسه القطاع الأقدر على تحقيق وفر مائى حقيقى إذا أُعيدت هندسة سياساته وفق منطق المناخ والاستدامة.

فالزراعة إما أن تكون جزءًا من المشكلة، عبر أنماط إنتاج عالية الاستهلاك للمياه والطاقة، أو أن تتحول إلى جزء من الحل من خلال: تحسين كفاءة استخدام المياه.  وإعادة توجيه التركيب المحصولى. والعمل على خفض الانبعاثات المرتبطة بالإنتاج الغذائى.

وهنا تكتسب دعوة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى تعظيم إنتاجية وحدة الأرض والمياه معناها البيئى العميق، باعتبارها جوهرًا عمليًا لفلسفة العمل المناخى فى القطاع الزراعى، لا مجرد هدف إنتاجى تقليدى.

الوادى والدلتا.. ركيزة الاستدامة فى زمن التغير المناخى

يمثل وادى النيل والدلتا القلب الزراعى والتاريخى لمصر، بما يمتلكانه من: تربة عالية الخصوبة وشبكات رى وصرف قائمة وخبرات بشرية متراكمة، بالإضافة إلى قرب من الأسواق ومراكز الاستهلاك، وتشير الدراسات إلى أن العائد الإنتاجى من المتر المكعب الواحد من المياه فى الوادى والدلتا يفوق نظيره فى كثير من مشروعات الاستصلاح الجديدة، التى تتطلب استثمارات ضخمة فى البنية التحتية والطاقة، وتعمل فى بيئات أكثر هشاشة مناخيًا.

ومن منظور العمل المناخى، تصبح الأولوية واضحة:

بالنسبة للوادى والدلتا: تكون لمحاصيل عالية القيمة المضافة وكفاءة المياه.. أما الأراضى الجديدة: تكون لمحاصيل أو أنشطة تتلاءم مع طبيعتها البيئية، باستخدام نظم رى متقدمة وطاقة نظيفة.. إنها معادلة التكامل لا الإحلال، بما يحقق التوازن بين التوسع الأفقى والحفاظ على الموارد.

الزراعة التكاملية.. الاقتصاد الدائرى للمياه والمناخ

فى زمن الندرة المائية، لم تعد النظم الزراعية الخطية قادرة على الاستمرار، فالزراعة التقليدية التى تفصل بين النبات والحيوان والسمك تهدر المياه والطاقة والفرص، أما الزراعة التكاملية، فهى التطبيق العملى لمفهوم الاقتصاد الدائرى فى الريف.

وتحقق هذه النظم:

-1 إعادة استخدام المياه أكثر من مرة

-2 خفض الفاقد من الموارد

الاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية

-3 تقليل الانبعاثات المرتبطة بالإنتاج

-4 تعظيم العائد الاقتصادى والبيئى معًا

ومن ثم، تصبح الزراعة التكاملية أداة مزدوجة، إدارة رشيدة للمياه + مساهمة مباشرة فى العمل المناخى.

البصمة المائية.. لغة الأرقام فى زمن القرار

من أهم الأدوات العلمية الداعمة لشعار «نحو العمل المناخى الآن» مفهوم البصمة المائية، الذى يقيس كمية المياه اللازمة لإنتاج وحدة واحدة من الغذاء.

وباستخدام هذا المؤشر، ينتقل التخطيط الزراعى من سؤال: كم نزرع؟ إلى سؤال أكثر وعيًا بالمناخ: ماذا نزرع؟ وأين؟ وبأى عائد مائى وبيئى؟.

أرقام تكشف العلاقة بين الغذاء والمناخ

تشير البيانات الدولية إلى تفاوت كبير فى استهلاك المياه بين المنتجات الغذائية. والمنتجات الحيوانية فمثلا: لحم البقر: 15,500 لتر/ كجم ولحم الدواجن: 3,900 لتر/ كجم. والبيض: 4,800 لتر/ كجم، والحليب: 1,800 لتر/كجم، وأمثلة للمحاصيل النباتية فنجد أن: الحبوب: 1,600 لتر/كجم والبقوليات: 4,000 لتر/كجم والخضراوات: 300 لتر/ كجم، الجذور والدرنات: 400 لتر/كجم، وهناك أمثلة لافتة مثل: الطماطم: 180 لترا/ كجم، والبطاطس: 250 لترا/ كجم.

وهى أرقام تؤكد أن نمط الاستهلاك الغذائى لا يقل أهمية عن نمط الإنتاج فى معادلة الأمن المائى والعمل المناخى.

من الإنتاج إلى العائد.. فلسفة زراعية مناخية جديدة

انسجامًا مع شعار يوم البيئة العالمى، تصبح السياسة الزراعية المصرية مطالبة بالتحول من تعظيم الإنتاج الكمى إلى تعظيم العائد من وحدة الماء والطاقة

وذلك عبر:

-1 إعادة هيكلة التركيب المحصولى

-2 ربط الدعم الزراعى بكفاءة استخدام المياه

-3 إدماج البصمة المائية فى التخطيط

-4 دعم التحول الغذائى المستدام

-5 تشجيع نظم الرى الحديثة والطاقة النظيفة

ثامنًا: توصيات فى سياق العمل المناخى

-1 اعتبار الأمن المائى محورًا رئيسيًا فى الاستراتيجية المناخية المصرية

-2إدماج البصمة المائية فى سياسات الزراعة

-3إعطاء أولوية لمحاصيل الخضر والجذور عالية الكفاءة المائية

-4 التوسع فى الزراعة التكاملية كنموذج للعمل المناخى الريفى

-5 توعية المستهلك بدوره فى خفض البصمة المائية والغذائية

-6 دعم البحث العلمى فى الربط بين الزراعة والمناخ والطاقة

يوم البيئة.. حين تصبح قطرة الماء فعلًا مناخيًا

فى يوم البيئة العالمى، ومع شعار«دعوة عالمية إلى العمل المناخى»، تقف الزراعة المصرية أمام اختبار حقيقى: إما أن تستمر كقطاع مستنزف للموارد، أو أن تتحول إلى قاطرة للاستدامة.

إن تعظيم العائد من كل فدان، ومن كل متر مكعب من المياه، ليس خيارًا تقنيًا فحسب، بل التزام أخلاقى ووطنى تجاه الأجيال القادمة.

وحين يصبح الماء معيار القرار، تتحول الزراعة من عبء على المناخ إلى أحد مفاتيح إنقاذه.