الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
لماذا الجيش العربى المشترك؟

لماذا الجيش العربى المشترك؟

ساد الصمت للحظات داخل القاعة ثم قال أحد الوزراء: لقد خسرنا معركة لأننا قاتلنا العدو متفرقين، فلا تجعلوا أبناءنا يخسرون المستقبل بهذه المواقف.



هذه العبارة العبقرية، كانت على موعد فى مدينة الإسكندرية يوم السابع عشر من يونيو عام 1950، حيث أول اجتماع عربى عقد فى لحظة تاريخية آمن فيها العرب بأن أمنهم لا يتجزأ، وأن سيادة الأشقاء لا تُصان إلا بالإرادة الجماعية.

فى هذا الاجتماع العربى المهم، برئاسة عبدالرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية فى ذلك التوقيت، وُقعت معاهدة الدفاع العربى المشترك والتعاون الاقتصادى بين عدد من الدول العربية الشقيقة، لتصبح أول وثيقة عربية تؤسس لمبدأ الأمن القومى العربى، ويتم الإعلان عن أن أى عدوان على دولة عربية هو عدوان على الأمة بأسرها.

هذه المعاهدة ولدت من رحم الهزيمة فى فلسطين عام 1948، بعدما أدرك القادة العرب أن الخطر الحقيقى لم يكن فى قوة الخصم وحدها، بل فى غياب التنسيق وتشتت القرار، وتعدد مراكز القيادة، خاصة وأن درس الهزيمة فى حرب فلسطين عام 1948، كان قاسيًا، فجاءت المعاهدة محاولةً لتصحيح مسار التاريخ.

حديثى عن معاهدة الدفاع العربى المشترك اليوم لا يعنى استحضار الماضى بدافع الحنين، بل استعادة فكرة استراتيجية أثبتت الأحداث ضرورتها، فالتاريخ لا يرحم الأمم التى تتأخر عن توحيد صفوفها والأمن القومى العربى لن يُبنى بالبيانات والخطب، وإنما بإرادة سياسية تترجم النصوص إلى مؤسسات، والاتفاقيات إلى قدرات، والشعارات إلى قوة ردع حقيقية.

الإسكندرية عام 1950، كانت بداية حلم عربى كبير، وما زال السؤال معلقًا.. هل آن الأوان ليتحول ذلك الحلم إلى واقع؟

مصر قلب الأمة العربية والإسلامية قديمًا وحديثًا، وعلى مدار أكثر من 75 عامًا، أظهرت بكل وضوح للأخوة العرب أهمية الاتفاق والتعاون والوقوف صفًا واحدًا ضد العدو المشترك الذى زرع خنجرًا فى قلب الوطن العربى، ولكن للأسف دون جدوى.

فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة، عندما تخرج إلى النور عبر كلمة أو خطاب سياسى لقائد عربى يقرأ التاريخ جيدًا، كما حدث فى القمة العربية التى عقدت فى شرم الشيخ عام 2015، برئاسة مصر وزعيمها الرئيس عبدالفتاح السيسى، انتبهت مراكز الأبحاث الغربية وتعاملت مع معطيات الحديث فقط عن هذا المشروع باعتباره ليس مجرد حديث أو شعار سياسى عابر، بل اعتبروه محاولة لإعادة تعريف معادلة الأمن الإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط.

مركز «بروكينجز» فى أحد تقاريره قال، إن إنشاء قيادة عربية موحدة وقوة عسكرية مشتركة يمثل فكرة قديمة استعصت على العرب لعقود، وإن قمة شرم الشيخ أعادت إحياء هذا المشروع فى ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة، اما مؤسسة «كارنيجى» للسلام الدولى ربطت فكرة القوة العربية المشتركة بتحولات أوسع فى البيئة الأمنية للشرق الأوسط، ولا سيما إدراك بعض الدول العربية أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد كافيًا، وأن هناك ضرورة ملحة لتطوير القدرات العربية والتعاون فى مواجهة التهديدات الإقليمية.

هنا تكمن أهمية النظر إلى المشروع من زاوية سياسية، فالقوة العربية المشتركة، إذا تحولت من فكرة إلى مؤسسة فاعلة، لن تكون مجرد إضافة إلى قائمة الجيوش الموجودة فى المنطقة، بل يمكن أن تصبح عاملًا مؤثرًا فى إعادة توزيع القوة الإقليمية، والتجارب الدولية تؤكد أن التحالفات العسكرية لا تُبنى فقط على تشابه المخاطر، وإنما على وحدة الإرادة السياسية ووضوح الرؤية الاستراتيجية.

مشروع هذا الجيش لن يكون مرهونًا بحجم التسليح أو عدد القوات، بقدر ما سيكون مرهونًا بقدرة الدول العربية على بناء عقيدة أمنية جماعية تنطلق من أن أمن أى دولة عربية هو امتداد طبيعى لأمن شقيقتها، وأن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بجهود منفردة، وقد ظهر ذلك بوضوح شديد من خلال ما نشاهده على مدار عدة شهور من اعتداءات إيرانية على معظم الدول العربية الشقيقة.

الإقليم الآن فى هذا التوقيت، يعج بالخطر واحتمالات نشوب حرب طويلة الأمد، إن جاز التعبير من المؤكد أنها تأكل الأخضر واليابس وتهدد شعوب المنطقة، وهذا أمر وارد وطبيعى فى ظل حجم السيناريوهات التى نشاهدها يوميًا عبر متابعة التطورات بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة، والاعتداء على الدول العربية من جهة أخرى.

هناك جرس إنذار يدق بقوة دون أن ينتبه أحد بأن المنطقة العربية تواجه أنماطًا جديدة من التهديدات، غير ما نشاهده على الساحة الدولية، هناك إرهاب دولى وجريمة منظمة، وهجمات سيبرانية، وميليشيات مسلحة، وصراعات غير تقليدية، وأجهزة استخبارات معادية ترصد وتحلل وتسعى لقلب أنظمة الحكم، بل وإحداث قلاقل داخل بعض الدول العربية، كل ذلك يمثل تحديات تتجاوز حدود الدول، وتفرض قدرًا أكبر من التنسيق الاستخباراتى والعسكرى والسياسى بين الأشقاء جميعا، بما يجعل فكرة العمل العربى المشترك أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى.

الجيش العربى المشترك لن يكون بديلًا عن الجيوش الوطنية، بل على العكس، يمثل إطارًا تكامليًا يعزز قدرات هذه الجيوش ويمنحها آلية جماعية للتدخل عند الضرورة، وفق قواعد واضحة واحترام كامل لسيادة الدول وقراراتها الوطنية، فالتكامل العسكرى لا ينتقص من السيادة، وإنما يوسع من دائرة الحماية الجماعية ويزيد من قدرة الدول على الردع.

من هنا تبرز أهمية الدور الذى يمكن أن تضطلع به الجيوش العربية الكبرى وعلى رأسها مصر، بما تمتلكه من خبرات قتالية وكفاءات بشرية وإمكانات تنظيمية، خاصة وأن القوات المسلحة المصرية اكتسبت عبر تاريخها الطويل خبرات واسعة فى حماية الأمن القومى، والمشاركة فى مهام حفظ السلام، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، بل وخاضت معارك دامية دفاعا عن فلسطين والشعوب العربية، بما يجعلها إحدى أهم ركائز أى مشروع عربى للتعاون العسكرى المشترك.

فى النهاية الحديث عن هذا الجيش لا ينبغى أن يظل حبيس المؤتمرات والبيانات الختامية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع استراتيجى طويل الأمد، يستند إلى رؤية سياسية موحدة، وآليات تنفيذية واقعية، وإرادة عربية تدرك أن الأمن فى عالم اليوم لم يعد مسئولية دولة واحدة، بل مسئولية جماعية، فالأمة العربية التى يجمعها التاريخ والمصير والتحديات، تستطيع إذا توافرت الإرادة أن تبنى منظومة دفاع مشتركة تحفظ استقرارها، وتصون سيادتها، وتعزز مكانتها فى نظام دولى لا يحترم إلا القوى القادرة على حماية مصالحها والدفاع عن أمنها وشعبها.. تحيا مصر.