محمد صلاح
جريمة على المحور
إذا عدنا بالزمن إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح، كان القدماء يدركون خطورة جرائم «النصب والاحتيال والابتزاز» على أمن واستقرار الأوطان، لذا كان الإعدام «بفصل الرأس عن الجسد»، عقوبة من يرتكب أساليب احتيالية بهدف التخلص من الآخرين، أو التأثير على إرادتهم للتربح أو الاستيلاء على أموالهم.
الإمبراطور الرومانى يوليان الذى جلس على العرش عام 193 قبل الميلاد، كان أول من حكم بالإعدام فى جرائم النصب والاحتيال، إذ أمر بإعدام حراس الإمبراطور السابق، الذين احتالوا عليه وتخلصوا منه مقابل حصول كل منهم على 250 قطعة من الذهب، ليكونوا عبرة لكل من يستخدم أساليب احتيالية تهدد أركان الدولة.
وبعد أكثر من 2200 سنة على أول حكم بالإعدام، حصن القانون جرائم النصب والاحتيال، وأصبح الضحية «مغفل»، وقطعا فالقانون لا يحمى المغفلين، الجريمة التى تهدد الاستقرار الاجتماعى تحولت إلى مجرد جنحة وليست جناية، وعقوبتها وفقا للمادة 336 من قانون العقوبات، الحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تتجاوز السنة، وفى حال العودة للجريمة، يوضع المتهم تحت الرقابة لمدة سنة أخرى.
عدم الردع لتلك الجريمة، جعلت عمليات النصب والاحتيال والابتزاز مهنة معدومى الضمير (وما أكثرهم) لتحقيق الثراء السريع، فمع ميلاد نصاب يولد آلاف الضحايا الذين يفقدون أموالهم وأرواحهم، على يد مصاصى دماء الأبرياء.
على محور 26 يوليو، أطول شوارع القاهرة الكبرى، كل شيء مباح، بدءا من النصب والاحتيال مرورا بتعاطى وتجارة المخدرات، وصولًا إلى الموت البطيء أو السريع (مش هتفرق كتير.. كلها موته)، ويتشارك فى تلك الجرائم المؤسفة الطريق الدائرى، وأسفل الكبارى والمحاور المتقاطعة معه، ونزلة المريوطية والمنصورية.
(ورغم الشلل المرورى بمحور 26 يوليو الذى يعانى منه سكان أكتوبر وزايد)، فلا يكاد يمر يوم دون أن تسيل دماء غزيرة على أسفلت الشريان الحيوى، وقطعا سنجد وراء تلك الجريمة، بصمات أصحاب محلات «الكاوتش»، أو سائق ميكروباص «فهلوى» أو شاب «متهور»، يستغلون تعطل كاميرات المراقبة، وأعمدة كهربائية مضاءة نهارا ومظلمة ليلا، ويتجاوزون السرعات المقررة، مما يتسبب فى ارتكاب حوادث بشعة يسقط فيها ضحايا أبرياء.
عند بداية المحور على الجانبين، وعلى بعد خطوات قليلة من الطريق الدائرى، تنتشر «أوكار» خلف أسوار المحور، لا تقل خطرًا على حياة المواطنين من الإرهابيين الذين يختبئون فى الجحور، يستغلها أصحاب « محلات الكاوتش» محترفو جرائم النصب والاحتيال وابتزاز أصحاب السيارات الملاكى المتجهين إلى مدينة 6 أكتوبر، أو القادمين منها إلى وسط القاهرة.
إذا شاء قدرك واحتجت إلى تزويد « كاوتش» سيارتك بـ «الهواء»، فمبجرد وقوفك أمام أحد محلات «الكاوتش»، ستجد شخصين أو ثلاثة أشبه بـ «الذئاب» التى تنتظر الضحية»، يحتال عليك أحدهم قائلا: «مور العربية ونزل فرامل اليد»، وبمجرد عودتك من تنفيذ طلبه، تجد أحدهم يمسك بيده «مثقاب» ويقول لك: «لحمتلك خرمين.. وفيه كمان 4 تانيين»، ودون توقف يغرس عددا من «الخوابير» فى «الكاوتش»، وبعد إتلاف وتقطيع «الكاوتش» بدلا من إصلاحه، وتحويل السيارة إلى «نعش» متحرك، يطلب منك بكل بجاحة 500 جنيه، وهو مبلغ يقترب من ثمن «الكاوتش» الجديد، وإذا اعترضت ستتعرض إلى معركة بـ«المفكات»، أو سرقة هاتفك المحمول.
ويبقى السؤال، متى تتوقف جرائم النصب والاحتيال على المحور؟ ومتى يتم إزالة تلك الأوكار من خلف أسواره؟






