دورات التاريخ
نتحدث دومًا عن أن التاريخ يعيد نفسه، يحدث ذلك على كافة المستويات وفى كل الأحوال تقريبًا، نرى ذلك فى تصرفات الأب ثم الابن من بعده كما نراها فى تصرفات المجموعات والدول والشعوب، ونراها أيضًا على مستوى الإنسانية كلها، لا تعتقد أن العصر الحديث حديث بالفعل وأن إنسان هذا العصر أكثر ذكاء أو تطورًا من أجداده، المشكلة فقط تكمن فى عدم التسجيل وعدم الأخبار عن سير الأولين بالدرجة الدقيقة، يعود ذلك لأسباب كثيرة بعضها مرتبط بقلة المتعلمين القادرين على حفظ أفكارهم فى صورة مكتوبة وموثقة, والسبب الثانى هو ضعف إمكانيات الحفظ والاسترجاع والانتشار للأخبار والبيانات، الاعتماد كان كبيرًا على المؤرخين وكتاب الأحداث والأخبار، ربما عدد كبير منهم لم يكن لديه التدفق الكافى للمعلومات وربما كان البعض مدفوعًا أو واقعا تحت تأثير قوى كبرى قامت بتوجيهه للانحياز لشكل معين فى الكتابة، أبلغ مثال على هذا مقولة إن التاريخ يكتبه المنتصرون، ما كتب عن الإسكندر الأكبر يختلف تمامًا فى حالة ما إن كان هو الطرف المهزوم، أمثلة ذلك تمتد إلى العصر الحديث فتستطيع بسهولة أن ترى وتلاحظ التفاوت فى سرد وتحليل أخبار الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال،هتلر وتشرشل وستالين، الموقف كان سيختلف تمامًا لو كانت دفة الانتصارات قد مالت فى اتجاه آخر غير ما سارت إليه الأمور، مايجعل الأمر يختلف عن فترة الإسكندر الأكبر مثلًا هو عدم الاعتماد على المؤرخين فقط، العدد زاد عن ذى قبل، وأيضًا تنوعت مصادر المعرفة من أخبار مكتوبة وأفلام وثائقية وشهادات موثقة، هذا أمر يجعل الموضوع أكثر توازنًا وأكثر صعوبة أيضًا، ولكن دعونا نعود إلى عصر الاتصالات المفتوحة وأثره فى انتشار الأخبار حول العالم, فعلى سبيل المثال قد تكون قد مرت شهور على أجزاء كبيرة من العالم القديم قبل أن يعرف شيئًا عن انتصارات الإسكندر الأكبر،هذه الشهور تم اختزالها إلى أيام معدودة تلك التى فصلت بين بداية الحرب العالمية الأولى ومعرفة العالم كله بها، هذه الأيام قد اختزلت وتقلصت إلى دقائق معدودة فى عصرنا الحديث دقائق بين حدوث الواقعة ومعرفة العالم كله بها، الاختصار والانتشار غير المسبوق للأخبار والمعارف وإمكانية تحليلها من قبل المتخصصين وغير المتخصصين بل وقد يصل الأمر إلى أن يكون التحليل ناتجًا من كل فرد بصورة مستقلة، مع القدرة على التواصل والانتشار والوصول بالأفكار والأخبار والتحليلات بين كل الأطراف فى زمن قياسي، كل هذا ولا شك سيكون له بالغ الأثر فى تقليل دورات التاريخ السابق الإشارة إليها فلن تحتاج إلى عشرات السنين لتعرف توجهات السياسة الدولية أو نوايا الدول تجاه بعضها البعض، هذا أيضًا يفرض ضرورة التحرك السريع بوتيرة تناسب التسارع الحالي، فلايمكن أن نمسك بوتيرة عصر المعلومات بسرعته الكبيرة فى مجالات التسلية وتبادل الأخبار التافهة ثم نتمسك بالماضى البطئ فيما يخص عظائم الأمور،هذا وغيره ما يجعلنا فى سباق دائم مع الزمن للحاق بركب التنمية وإيجاد مساحة ودور فى المجتمع الدولى والإقليمى اللذان يتشكلان بسرعة ربما تكون هى الأكبر على مر التاريخ كله.







