عاش كمدًا
دائما ما نبحث عن الحكمة ويستمر الإنسان فى رحلته فى هذا الحياة من أجل البحث ومحاولة استخلاص الحكمة...كلما تقدم فى العمر واقترب من النهاية وجد أن الحكم الأساسية البديهية التى قرأ أغلبها فى سنوات عمره الأولى هى الحكم الحقيقية, والتى مر بتجارب أكدتها وجعلته يندم على عدم التصديق منذ قرأها أول مرة....
كراسات المرحلة الابتدائية كانت تحتوى على الكثير من تلك النصائح والحكم... «من جد وجد ومن زرع حصد».... «حب لأخيك ما تحب لنفسك»....جمل بسيطة ولكنها حقيقية جدًا....منها أيضا «من راقب الناس مات كمدًا»...وهى تقال فى معرض النصح لعدم الالتفات إلى تصرفات الناس وما يقومون به وما يملكونه, وأن يكفى المرء أن ينشغل بنفسه وينظر لحياته ومستقبله ولا يترك حاله ويركز فى أحوال الآخرين...لأن مراقبة الناس ستصيبك بمشاعر سلبية...أما الإحباط إن رأيت من هم أفضل منك أوالتوتر إن رأيت من هم أسوأ منك لأنك ستخشى أن تصبح مثلهم....
الموت كمدًا أوالعيش كمدًا, يأتى من الطبيعة البشرية التى تنزع إلى المقارنة...المقارنة بين حالك وحال الآخرين....إن رأيت أحدهم مبتسمًا فإنك تقارن ابتسامته بابتسامتك وبهجته بمدى بهجتك.....تقارن ملابسك بملابسه...تقارن ثقافتك بثقافته...المقارنات بين السيدات أكبر وأشمل ...قد تصل إلى مقارنة طول الرموش مثلًا....
المقارنة فخ لا ينتهى فسوف تجد دومًا من هوأفضل منك وهذا فيه ظلم لنفسك لأنك تلقائيًا ستضع نقاط ضعفك فى مقارنة من نقاط القوة لدى الآخرين, وهو أمر لن تجنى منه إلا اليأس والاكتئاب وكفران النعمة المتاحة لديك...هذا أيضًا يشمل على سطحية فى التفكير فما تراه هوالقشرة الخارجية من الناس وليس بالضرورة أن من يبدو أنه أفضل منك لأسباب رصدتها وتراها هو كذلك بالفعل, فقد يكون مهمومًا أو لديه كارثة أخرى لا تراها أنت ولربما لوخيرت بين أن تستبدل حالك بحاله لرفضت على الفور وحمدت الله على ما لديك وما هو ليس لديك أيضا....
المقارنة أيضًا تحرمك من الاستمتاع بالحاضر نتيجة ما تحملك به من توتر عصبى واكتئاب وضيق صدر....
فى عصر المعلومات تزايدت تلك الأعراض حدة وانتشار نتيجة الانفتاح والانتشار للمعلومات والأحوال على شبكات التواصل الاجتماعى, وهى أحوال خادعة فى أغلب الأحوال, حيث تشير الاحصائيات إلى أن تصفح شبكات التواصل الاجتماعى لمدة ساعتين يوميًا تصيب 87% من المتصفحين بشعور أنهم أقل سعادة من الآخرين, وهوإحساس يزيد الكآبة والضيق وحقيقة الأمر فهوإحساس غير حقيقى على الإطلاق لأن الآخرين يشعرون به أيضا حيال ما تضعه أنت على تلك الصفحات...نعيش كمدا ومراقبة لأوهام وخيالات لا فائدة منها على الإطلاق...الترشيد للاستخدام وعدم التصديق لكل ما نراه من الأمور المهمة جدًا للصحة النفسية والبدنية أيضًا.






