الثلاثاء 16 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الزيف العميق

الزيف العميق






فى ثمانينيات القرن الماضى انتشرت صورة فوتوغرافية غير واضحة لمجموعة من الأشجار على جانبى ما يبدو أنه طريق... تشكل الأشجار عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله».....انتشرت هذه الصورة انتشار النار فى الهشيم...لا تجد دكانا لا يخلو منها....فى بعض المنازل أيضا.... وصل الأمر إلى أنها أصبحت الصورة الأساسية للنتيجة السنوية فى تلك الفترة...أعتقد أن بعض المحال القديمة لاتزال تحتفظ بهذه الصورة...كم كبير من الإعجاب بها وبالطبع صباغة الأمر صبغة دينية....لم يقتصر الأمر على هذا بل تعداه إلى استخدامها فى بث بذور العداء بين الشعوب حيث خرج علينا خبر صغير بعد أعوام قليلة مفاده أن حكومة الدولة التى وجدت بها تلك الأشجار قد قررت إقامة سياج منيع حصين يمنع الزائرين لتلك المعجزة...سياج يمنعهم من الاقتراب أو التصوير ...خبر صغير مع الكثير من «حسبى الله ونعم الوكيل» فى تلك الدولة وفى مسئوليها.....بعد عشرات السنين ثبت أن الأمر مختلق تماما وبالكامل أنه استخدم لأغراض عديدة...تكرر الأمر نفسه مع صورة الطائر السابح فى بحر ملوث بزيوت ثقيلة وتم استخدام هذا المشهد للتدليل على كم التلوث البيئى الذى نجم عن إغراق النفط الكويتى إبان احتلال العراق له.... بعد سنوات تبين أن مقطع الفيديو فى إحدى دول أمريكا اللاتينية وهو يوضح كم الدمار البيئى الناجم عن تسرب زيت من إحدى ناقلات البترول أو السفن المارة بهذه المنطقة....وهذا المقطع أيضا أدى دوره ببراعة كبيرة....قبل هذا كانت الشائعات فى صورة أخبار مقروءة أو مسموعة منها ما هو خرافى  تماما ومنها ما هو مخلوط ببعض الحقائق ولم يكن أى من الأغراض نبيلا على الإطلاق...
الانتقال من تزييف المقروء إلى المرئى والمسموع كانت نقلة كبيرة... تمارس حاليا ببراعة من خلال ما يطلق عليه الزيف العميق Deep fake حيث لبرامج معينة أن يتم تغذيتها ببعض من مقاطع الفيديو والصور الثابتة ومقاطع الصوت ثم تقوم تلك البرامج بإنتاج أفلام مختلقة تماما...فيمكن عمل مقطع فيديو لأحد القادة السياسيين يصرح فيه بأمور عكس سياسته تماما...أو يقوم نجم كبير بالاعتراف بأمور لم يقم بها على الإطلاق...كل ذلك يتم تداوله بسرعة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعى ويتأثر به من يتأثر وينجرف من ينجرف لأن الصورة أبلغ من ألف كلمة ولأن التقنية متقنة جدا فإن المثل القديم الذى يقول «صدق نصف ما ترى وربع ما تسمع» قد انهار تماما إذ غليك ألا تصدق ما ترى وما تسمع....إلا بعد تمريره على العقل والاطمئنان له بالوعى.