الثلاثاء 16 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
إدارة عموم الزير

إدارة عموم الزير






قصة قصيرة للدكتور حسين مؤنس تدور حول سلطان فى أحد البلاد وجد الناس يعانون معاناة كبيرة فى شرب الماء نظرًا لبعد مستوى النهر عن مستوى الأرض مما يوجد مشقة شديدة فى النزول إلى حافة النهر للشرب فأمر بوضع «زير» ليشرب الناس منه وأعطى عشرة دنانير لأحد موظفيه ويدعى «صابر» وذلك لشراء الزير ومستلزماته من حمالة وغطاء وبضعة أكواز للشراب...بعد بضعة أعوام تذكر السلطان ما قام به وأراد أن يعرف ما هوالموقف الحالى لهذا «الزير» .. سأل مساعديه الذين أوضحوا له أنهم قد قاموا بتطوير وتعديل الفكرة حتى أصبحت شيئًا مهولًا على حد تعبيرهم.. بسبب الإقبال على الزير قاموا ببناء صغير لحماية الزير والعاملين عليه...ثم تم بناء غرفتين أحدهما لصابر والأخرى لمساعده ليستريحا فيهما ثم تم إنشاء مأمورية للزير ومسئول مالى لضبط العهد وصرف مستحقات العاملين وأيضًا توفير سلفة لإصلاح الزير أوتغيير بعض من مشتملاته إذا لزم الأمر....ثم تم استحداث عدد من الإدارات منها إدارة الفخار وإدارة الحديد وإدارة الخشب وإدارة الصفيح....الأولى مختصة بشئون الزير والثانية مختصة بشئون الحمالة والثالثة مختصة بشئون الغطاء والرابعة مختصة بالكوز المصنوع من الصفيح....ثم تم إنشاء الإدارة الأهم وهى إدارة الماء...وعندما زاد عدد العاملين وضاقت عليهم الحجرات تم اعتماد مبلغ كبير لتوسعة الحجرات وبناء دور ثانى لها مع عمل مدخل وبوابة مشتركة وتم اعتماد مبلغ مائة ألف دينار لهذا البناء واعتماد مبلغ أربعين ألف دينار للمصروفات السنوية ثم تم إدخال تقنيات حديثة فبدلًا من قيام صابر ومساعده بحمل الماء من النهر إلى الزير... تم استحداث أساليب حديثة من خلال تركيب طلمبة هيدروليكية لرفع الماء وتنقيته...ثم تم استحداث بند للنقل وللسيارات التى تقوم بنقل العاملين والمعدات من وإلى موقع العمل....وتستخدم فى التواصل أيضًا مع دواوين الوزارات الأخرى ومنها الخارجية وذلك للمشاركة وحضور الندوات والمؤتمرات والمعارض الخارجية والتى غالبًا ما يحضرها رئيس المصلحة...ثم تم أيضًا إضافة إدارة لخدمة العملاء حيث تم تصميم استمارة شرب يتم استيفاؤها من قبل المترددين على الزير للشرب من الكوز...تم بعد ذلك استحداث عدة استمارات بألوان مختلفة....استمارات باللون الأبيض يملؤها من يمر مرورًا عابرًا ويشرب من الزير مرة واحدة مصادفة ويذهب ولا يعود...استمارة حمراء للذين يشربون كل يوم مرة واحدة بانتظام....واستمارة صفراء لمن يعتمدون على الزير فى شربهم طول اليوم...الاستمارة الصفراء تتيح لصاحبها استخراج «كارنيه» يحمل صورهم يتيح لهم الشرب طوال النهار....
ذهب السلطان إلى مكان الزير فوجد مبنى ضخما أمامه سيارات كثيرة وعدد كبير من الناس يدخلون ويخرجون من المبنى فى سرعة وجدية...وجد سيدة تبيع «عرضحال دمغة» قرب الباب...دخل إلى المبنى فهاله هذا الكم الهائل من العاملين وأسماء الإدارات المختلفة....وجد مخاطبات عديدة بين إدارات الفخار والحديد والمشتريات والمخازن والموازنة واللجان الفنية المختلفة....سأل عن الزير فأرشدوه إلى حجرة صغيرة فى البدروم أسفل المبنى حيث وجد فيها زيرًا مكسورًا يعلوه التراب والعنكبوت ووجد رجلًا عجوزًا أشعث أغبر ذا لحية طويلة سأله عن اسمه فأجاب قائلًا: «أنا صابر ...لم أقبض مليمًا منذ توليت هذه المهمة لأن أوراق انتدابى لم تصل إلى شئون العاملين حتى الآن والزير به كسر كبير منذ عدة سنوات وماتزال المخاطبات بين اللجان الفنية والموازنة والمشتريات ...لم تستقر اللجنة على مورد ليفوز بالمناقصة المطروحة لتغيير الزير»....نظر السلطان شذرًا إلى مساعده الذى أشار إلى أنه من قام بتطوير المشروع ثم قال له « أنت أنشأت هذا كله وحملت ميزانية الدولة نفقات باهظة ولم تعد أى فائدة على أى من المواطنين العطشى....سأنظر فى أمر هذا المبنى لابد من أن نستخدمه فى أمر آخر من مصالح العباد...أما هذا الجيش الجرار من الموظفين فأنت ملزم بهم وستدفع لهم رواتبهم من مالك الخاص حتى ينفد تمامًا ...ومال زوجتك وأولادك أيضًا أما هذا المدير الذى يقضى أغلب  السنة خارج البلاد فاستعيدوا منه كل درهم أنفقه فى رحلاته «...أتذكر هذه القصة المأساوية كلما رأيت محاولات البعض لمقاومة الإصلاح الإدارى الذى تقوم به الدولة حاليًا...إصلاح الهياكل التنظيمية...إصلاح القوانين واللوائح...تدريب ورفع كفاءة العاملين....الوصول إلى الحكومة الفعالة الرشيقة...مع العمل بجد واجتهاد فى سبيل التحول الرقمى....عصر المعلومات والثورة الصناعية الرابعة لن يسمحا باستمرار إدارات عموم الزير على الإطلاق...مؤشرات الأداء والمتابعة كاشفة ومعبرة...وبكرة أحلى....تحيا مصر.