الثلاثاء 16 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حرب التأثير

حرب التأثير






جيلنا الذى نشأ فوجد التليفزيون به قناتين فقط هما القناة الأولى والقناة الثانية.... تربى على ما كان يقدم له من إعلام هادف منضبط.... ثقافة وترفيه ورياضة وتعليم أيضا.... كان هناك نوع من تقسيم المجالات الإعلامية بين القناتين فلا تجد فيلما أجنبيا يذاع على القناة الأولى... أو مسرحية مصرية على القناة الثانية مثلا.... الألفاظ منضبطة....البرامج معدة جيدا... توقيتات الإذاعة كانت تتناسب مع ما نقوم به من أحداث خلال اليوم... لرب الأسرة ومراعاة مواعيد عمله وكذلك أيضا بالنسبة للأطفال ولربة المنزل... وبالرغم من هذا التنوع الجيد إلا أن تلك الوسائل التقليدية تبقى أحادية الاتجاه... لم يزداد التواصل إلا بعد انتشار خدمة التليفون بالمنازل وبدأت القنوات فى التواصل مع المشاهدين من خلال الاتصالات التليفونية... استمرت التأثيرات محدودة والوعى أيضا.... أتذكر سؤالا سأله أغلب أبناء جيلنا عن سر عدم إذاعة الآذان فى القناة الثانية وجاءت الإجابة الساذجة (المقنعة آنذاك)... «لأن القناة الثانية بتجيب أفلام أجنبى»...
سأترك الأجيال الجديدة تتساءل عن معنى هذا عن علاقة الإجابة بالسؤال وما أهمية السؤال أصلا....
ثم أتى عصر الشبكات... شبكة الإنترنت أولا ثم شبكات التواصل الاجتماعى ثانيا والتى تحولت إلى غول كبير أكل الأصل...مثل الابن الذى يأكل أمه أو يقتلها ويسيطر على الموقف تماما... فأصبح الكثيرون يتحدثون عن الفيس بوك على أنه هو شبكة الإنترنت.... ولهم بعض العذر فقلما يجدون احتياجا لمغادرة ذلك الموقع إلى مواقع أخرى وبذلك فإنهم أصبحوا مستسلمون بالكامل لتلك الشبكات التى بدأت تحت مسمى التواصل الاجتماعى ووصلت إلى ما وصلت إليه حاليا من سيطرة على كل الأدوات الأخرى وأصبحت هى المؤثر الأول على المستخدم الذى أعطته حرية التنقل والبحث وهى حرية زائفة وذلك عند النظر إلى محتوى تلك الشبكات.... وكما يقال دائما إنه لا توجد وجبة مجانية There are no such thing as a free lunch حيث اتضح فيما بعد أنك أنت عزيزى المستخدم ما يتم الاتجار به... أنت السلعة وأنت الذى تدفع ثمن ما تعتقد أنه بدون مقابل وفى خدمتك... الحقيقة أنه يقوم بتشكيل أو تخريب معتقداتك ومبادئك ويزرع بدلا منها مبادئ أخرى وأفكارا مختلفة تساهم فى تعظيم مصالح جهات وتيارات ودول متعددة ومتشابكة ولكن فى الأغلب الأعم تكون مصلحتك أنت هى آخر ما يتم النظر إليه.
يعتقد مستخدمو تلك الشبكات أنهم أكثر ثقافة وأكثر وعيا وأكثر اطلاعا على الأخبار لحظة بلحظة والحقيقة فى الكثير من الأحيان تكون مغايرة لهذا الاعتقاد بصورة كبيرة.... قارن وقسم ما يمر أمامك يوميا واعط نسبة مئوية لكل نوع من الأنواع... تسلية... تعليم... سياسة... دين... رياضة... ثقافة... إلخ ثم أبدا فى عرض المحتوى على عقلك وقارن هذا المحتوى بمصادر المعلومات والمعارف المعتمدة واعط المحتوى درجة مئوية... أيضا احسب الوقت المستغرق فى تلك الشبكات وضع خططا بديلة للاستفادة من نعمة الوقت فيما هو مفيد حقا.... حرب التأثير والسيطرة تحتاج إلى تطوير آليات دفاعية لتقليل الخسائر التى نتحدث جميعا عنها ولا نتحرك إلا قليلا...