الثلاثاء 16 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تآكل الواقع

تآكل الواقع






اذهب إلى أى مطعم أومقهى... ستجد الجميع محنى الرأس إلى شاشة الهاتف المحمول...اذهب إلى عيادة دكتور أوصالون حلاقة ستجد نفس المشهد...اذهب إلى أى مناسبة اجتماعية...حفل زفاف أولتأدية واجب العزاء...ستجد المشهد يتكرر...فى اجتماعات العمل وفى قاعات الدراسة ...ما كان يجب أن أقول أن الأمر قد بدأ يتسرب إلى دور العبادة أيضا ولكن هذا هوالواقع الذى رصدته بعينى رأسي...
مايهتم به المستخدمون لايخرج عن كونه تواصلا اجتماعيا به الكثير من التسلية التافهة أوالأخبار الكاذبة أوالمبالغ فيها مع الكثير من محاولات الاستقطاب والنقاشات الحادة المثيرة للأعصاب...بعض المستخدمين يهتم بالألعاب الإلكترونية والتى تبدأ من «كاندى كراش» مرورا بألعاب الورق وصولا إلى ألعاب السباق والقتال مثل PUBG...البعض يدمن الأغانى والأفلام والمسلسلات على موقع ال youtube ...البعض يشاهد أفلاما طويلة للاعبين آخرين يقومون بلعب PUBG  أوألعاب سباقات السيارات....البعض الآخر مهووس بالتصوير...يصور كل شيء وأى شيء...حمى السيلفى أيضا...ليقوم برفع تلك الصور على الفيسبوك والانستجرام....البعض يكتفى ببرنامج الواتساب ليتواصل مع عدد محدود من الأصدقاء وزملاء العمل...تبادل للصور وبطاقات المعايدة وكروت وورود الصباح ومساجد الجمعة المباركة مع القليل من وثائق العمل أوالدراسة وعدد لابأس به من الرسائل الصوتية Voice notes التى يستخدمها البعض كنوع من الاستسهال بدلا من الكتابة الشاقة وخاصة عندما يريد أن يسهب فى السرد والحكى...جروبات لأعضاء النادى الرياضى وجروبات لكل لعبة من الألعاب الرياضية وجروبات الأمهات فى المدارس وأيضا جروب أوأكثر لكل مادة من المواد الدراسية فتجد جروب للعربى والإنجليزى والعلوم والفيزياء والكيمياء والدراسات الاجتماعية...جروبات لكل شيء وعشرات المئات من الرسائل يوميا...
لم يعد لدى أحد الصبر لمشاهدة فيلم أومحاضرة كبيرة مرة واحدة....يفضل أن يراها على أجزاء صغيرة لا يزيد طول الجزء الواحد على خمس دقائق على أقصى تقدير...
الواقع المادى والذى يمكن وصفه بأنه كل ما يحدث «هنا والآن» تحول إلى واقع افتراضى يوصف بأنه مايحدث «فى أى مكان وفى أى وقت»...هذا الواقع الافتراضى كان من المفترض ان يكون هوالمظلة الكبرى ويكون الواقع المادى جزءا منها ولكن للأسف استغرقنا جميعا فى هذا الواقع الافتراضى بأدواته البراقة وانفصلنا عن واقعنا المادى تماما ....فعودة إلى الأصدقاء الجالسين على المقهى لن تجدهم معا وإن كانوا جالسين متجاورين....فمنهم من يشاهد فيلما عاطفيا ومنهم من يستمع إلى أغنية مصورة ومنهم من يلعب إحدي الألعاب المنتشرة ومنهم من يتحدث إلى صديق بعيد تاركا أصدقاءه الجالس معهم...هؤلاء الأصدقاء من الممكن فى يوم قريب ألا يلتقوا على الإطلاق...يلزم كل منهم منزله ويتم التواصل من خلال تلك الشبكات...ثم لاحاجة إلى الذهاب إلى العمل أوالتسوق أوحضور حفلة أومباراة رياضية أوالذهاب إلى قاعة درس أولتأدية واجب العزاء أوالمجاملة فى قاعات الزفاف... وسيتآكل الواقع تماما وسيكون هو الاستثناء وتكون القاعدة هي العالم الافتراضي الجاف 0