الخطوة
اجتاحت حمى الساحر «ديفيد كوبرفيلد» العالم كله منذ حوالى 30 عامًا...دمج الحيل السحرية مع الاستعراض والإبهار بالإمكانات المهولة....أتذكر مشاهدة إحدى الحلقات والتى كان يقوم فيها باختراق سور الصين العظيم والمرور من خلاله....أتذكر تعليق أحد الأقارب من الظرفاء رافضًا هذا الزيف قائلًا «لن أصدقه إلا إذا مر من خلال هذا الحائط» وأشار إلى حائط غرفة المعيشة حيث كنا جميعًا نلتف حول التلفاز فى اندهاش وانبهار.
التعليق السابق أخرجنى من حالة الاستغراب والانبهار التى كنت أمر بها فى هذه السن الصغيرة وأمام كل تلك الخدع المحكمة التى جعلت بعضًا من كبار المثقفين يكاد يجزم بأن هذا الساحر «مخاوى» أو أنه قد وصل إلى تعاويذ غاية فى الخطورة ويستخدمها بحرص شديد لكي لا تخرج عن السيطرة.
هذا كان قبل عصر المعلومات والذى مهما تحدثنا عن سلبيات الإغراق فيه إلا أننا لايمكن أن ننكر الفوائد العديدة ومنها التواصل اللامحدود مع كافة الأطياف والبشر من مختلف بقاع الأرض.
تذكرت كم الاهتمام وكم الاحاديث التى أدرناها فى هذا التوقيت عن هذا الساحر وأعود فأتذكر الآن كم النقاشات والحوارات بل والصراعات التى نديرها حول موضوعات كثيرة منها الهام ومنها التافه وأغلبها مجرد نقاشات ومباريات لفظية فقط...ما أقصده هو غياب الفعل ولو محدودا....غياب الخطوة الإيجابية الأولى فى مشوار الألف أو عشرة آلاف ميل....لايهم أن ننهى المشوار ولكن مايهم أن نخطو الخطوات...ربما يسخر الله لنا من يكمل الطريق بدلا من أن يكون من أتى بعدنا مجرد امتداد للصراع اللفظى الذى نخوض غماره يوميا.
نتحدث عن إلقاء القمامة فى الطرقات...نتحدث عن سرقات التيار الكهربى أو التهرب الضريبي...نتحدث عن الكذب والكذابين....عن الغش والغشاشين....من وقت لآخر أغمض عينى واتساءل «إذا كان الجميع يشكو من إلقاء القمامة فمن يلقيها...الجميع يشكو من الغشاشين فمن يغش؟»....أتذكر القصة الشهيرة لأحد علماء الدين الأجلاء الذى كان يجلس فى المسجد لإلقاء درس فى الدين على عدد كبير من الناس وقد وضع بجواره مصحفاً ثميناً كان يستخدمه من حين لآخر للاستشهاد بآية من آياته ولكنه نظر مرة إلى حيث وضع المصحف فلم يجده... فسأل عمن يمكن أن يكون قد أخذه أو يعرف من أخذه فلم يعترف أحد رغم أن سارق المصحف كان لابد أن يكون واحداً من الجالسين بل شرع كثير من الحاضرين فى البكاء حزناً وأسفاً على أن يتجرأ أحد على سرقة مصحف العالم الجليل فقال هذا العالم قولته التى صارت مثلاً: «كلكم تبكون، فمن الذى سرق المصحف؟».
على كل منا أن يبدأ بنفسه... أن يبدأ الخطوة الأولى فى تغيير نفسه أولا ....من يهتم بقضايا البيئة العالمية بداية من ثقب الأوزون والأشعة فوق البنفسجية والتصحر والتغيرات المناخية وخلافه عليه أن يبدأ بالقيام بالممارسات الإيجابية فى نطاقه من نظافة واتباع لأبسط قواعد التنظيم والحفاظ على الموارد البيئية وأن يعرف و يوقن أن ما يفعله يصب و يؤثر فى القضايا الكبيرة أكثر مثيرا و بفاعلية حقيقية لن يمكنه أن يشارك بـ 1% منها إذا استمر فى الكلام و لم يبدأ أول خطوة.
تغريدة: خذ الخطوة الأولى...ستكون محسوبة لك سواء اكتمل المشوار أو تعثر...على الأقل ستكون أنت صاحب المبادرة.






