الإثنين 17 فبراير 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

فى ذكرى ميلادها

مى زيادة.. ملهمة الشعراء وفاتنة الأدباء

«أنا امرأةٌ قضيت حياتى بين قلمى وأدواتى وكُتبى ودراساتي، وقد انصرفت بكل تفكيرى إلى المَثَل الأعلى، وهذه الحياةُ المثاليةُ التى حييتُها؛ جعلتنى أجهل ما فى هذا البشر من دسائِس، أجل.. كنت أجهل الدسيسة، وتلك النعومةَ التى يظهر بها بعضُ الناس، ويخبِّئون السُّمَّ القتَّال.»



بهذه الكلمات وصفت الشاعرة والأديبة مى زيادة أصعب فترات حياتها التى عانت فيها من موت أحبائها وانفضاض أصدقائها من حولها، فكانت الكتابة هى الونيس الوحيد لها حتى رحيلها. مى زيادة هى أديبة، وشاعرة، وأنثى استثنائية من الطراز الأول، متمردة بطبعها، تعشق الحرية وفتنت بالمُثل الإنسانية فكانت دائمة البحث عن الكمال فأصبحت بمثابة إله الإلهام للكثير من شعراء وأدباء عصرها، إلا أنها اختارت الحب الصوفى للشاعر «جبران خليل جبران» فبقيت راهبة فى محرابها طيلة 20 عامًا دون ملل، ودون أمل أيضًا.

حياتها

ولدت مى زيادة فى الناصرة بفلسطين 11 فبراير عام 1886، وكانت الابنة الوحيدة لأم فلسطينية هى نزهة خليل، وأب لبنانى هو إلياس زخورة زيادة، وكانت الإبنة الوحيدة حيث توفى أخوها فى سن صغيرة، وكان والدها قد نزح من كسروان بلبنان إلى الناصرة وامتهن التدريس فى مدارسها.. اسمها الأصلى هو «مارى إلياس زيادة»، وقد نحتت من الحرفين الأول والأخير من اسمها اسم:

«مي».

بدأ شغفها بالقراءة والكتابة منذ الصغر، فكانت منذ طفولتها تنعزل بعيدًا لتقرأ وتتأمل، ويمكن أن نقول أن بسبب دراستها فى مدارس للراهبات وتأثرها بهن أعطاها نوعاً من المثالية.

وفى عام 1907، جاءت الى مصر برفقة والديها والتحقت بكلية الآداب لدراسة اللغه الفرنسية والإنجليزية، كذلك بدأت فى دراسة اللغة الايطالية والألمانية، ثم عملت بتدريس اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية كذلك اليونانية والسريانية. وفى الوقت ذاته، عكفت على إتقان اللغة العربية وتجويد التعبير بها. فيما بعد، تابعت دراسات فى الأدب العربى والتاريخ الإسلامى والفلسفة فى جامعة القاهرة.

وبدأت مى فى كتابات مقالات أدبية ونقدية واجتماعية فى صحيفة والدها «المحروسة»، وكان أكثر ما يميز كتاباتها أنها متحررة الفكر،  حيث كانت زيادة ذات عقل منفتح على مختلف الثقافات، وكانت ذات وعى وثقافة وتحرر كبير، مما لفت اليها الأنظار وبدأت فى نشر مقالاتها وأبحاثها فى كبريات الصحف والمجلات المصرية، مثل المقطم، والأهرام، والزهور، والهلال، والمقتطف.

وأخذ صيت مى يعلو فى الوسط الثقافى المصرى والعربى خاصة أنها كانت دائم التحدث عن قضايا نسائية ومطالبتها دائمًا لتعليم الفتايات، فكانت اول من استخدم لفظ «القضية النسوية» فى زمن كان تعليم المرأة فيه نادرا.

ثم كان باكورة إنتاجها فى عام 1911 ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية بعنوان «أزاهير حلم»، لكنها كتبته تحت اسم مستعار وهو «ايزيس كوبيا» وتوالت اصدارات مى الأخرى لكنها كانت حريصة فى كل كتبها أن تقدم نموذجاً نسائياً له أثره فى ثقافتنا، ففى عام 1920 أصدرت كتابها «باحثة البادية» ثم أعقبته بكتاب «كلمات وإشارات» عام 1922، و»المساواة» عام 1923، و»ظلمات وأشعة» عام 1923، و»بين الجزر والمد» عام 1924، و»الصحائف» عام 1924، وغيرها من الكتب.

صالون «مي»

كان أول ظهور لمى زيادة للنخبة الثقافية من خلال القائها بخطبة فى حفل تكريم الشاعر خليل مطران، وكانت بمثابة صدمة قوية لكبار الأدباء والشعراء فى زمنها، فكانت امرأة  قوية مثقفة تنطلق بلغة عربية سليمة، ومن هنا بدأ الوسط الثقافى يصطدم برؤية نموذج نسائى غريب عليه، وكانت بداية صالونها  الثقافى عام 1913 وتحديدًا  فى يوم الثلاثاء من كل اسبوع، وفى هذه الفترة كان عدد الصالونات الثقافية قليلا، وكان يحضره الكتاب والأدباء والمثقفين وحتى رجال الدين من كل الطبقات الاجتماعية، وكان أبرز رواد صالونها عباس محمود العقاد وطه حسين، أحمد شوقي، ومصطفى صادق الرافعى، وخليل مطران، وولى الدين يكن وأنطون الجميل، وغيرهم.

«جبران»...!

حظيت مى زيادة بحب العديد من كبار المثقفين والأدباء، يمكن أن ذلك كان بسبب أنهم رأوا فيها تلك المرأة الكاملة التى طالما حلموا وتحدثوا عنها فى كتاباتهم الأدبية والشعرية، فهى الجميلة الفاتنة والمثقفة المتحررة التى استطاعت أن تجمع بين تحرر الفكر الغربى وعادات المجتمع الشرقي.

وظهرت عدة دراسات وكتب عن علاقات عاطفية ربطت بين مى وأسماء قامات كبيرة فى الوسط الثقافي، لكن لم يتم تأكيد هذه المقولات بشكل قاطع، حيث أوضح الكبير كامل الشناوى فى كتابه «الذين أحبوا مى.. وأوبريت جميلة»، الى وجود رسائل رومانسية وعاطفية أرسلت لمى زيادة، من حوالى 100 كاتب ومفكر وفيلسوف، من عدة بلدان، وعكف أقارب مى بعد وفاتها فى عام 1942 على تجهيز تلك الرسائل لنشرها فى كتاب، وأخذ الكاتبان أنطوان الجميل وخليل مطران فحصها وتنسيقها وإعدادها للنشر، ولكن ما أن علم الكاتب لطفى السيد بالأمر إلا ورفضه رفضًا شديدًا، مرجعًا الأمر إلى أنه تفتيش فى أسرار إنسانة رحلت، كما أنها لم تنشرها وهى على قيد الحياة فكيف لأحد ينشرها بدون رغبتها، وأن هذه الرسائل لا بد أن تظل هى وجثمان مى سرًا فى مقبرة واحدة.

لكن ما يمكن الحديث عنه بشكل واضح، هو قصة الحب التى ربطت بين مى زيادة وجبران خليل جبران، الذى جمع بينهم ذلك العشق الأفلاطونى على مدار 20 عامًا دون أن يلتقيا ولا مرة واحدة، فقط كانت بينهما مراسلات لم تنقطع إلا بوفاة جبران عام 1931، بعد عام من وفاة والدها لتعيش مى حالة من الاكتئاب والحزن، ثم جاءت وفاة والدتها عام 1932 لتسقط مى ولا تستطيع أن تمضى حياتها مع فراق كل أحبابها، وتبدأ رحلة من العذاب والألم.

انطفأت «مي»

ضاقت الحياة بمى زيادة بعد أن هدتها فجيعة رحيل والديها، وكانت اللوعة برحيل جبران فادحة، وكان من الطبيعى أن تغلق مى أبواب صالونها وتنفرد بنفسها.. لم تنقطع صلتها بالناس فجأة وإنما حددت لقاء الأصدقاء، كذلك لم تنقطع عن التأليف ، كما حاولت السلوان فى الرحلات فقررت الانتقال والتجوال ثم عادت إلى القاهرة. ثم قررت مى أن تذهب الى بيروت للانفراد بنفسها عسى أن تجد السلوان والصبر، لكن مع الأسف اصطدمت بعائلتها الذين قرروا أن يضعوها بمستشفى الأمراض العقلية (العصفورية) للحجر على ممتلكاتها، وبالفعل دخلت مى المستشفى لمدة تسعة أشهر، الأمر الذى أحدث زلزالا قويا فى الأوساط الثقافية بلبنان حتى وصل الأمر الى مجلس النواب اللبناني، وفى عام 1938 خرجت مى من العصفورية الى مستشفى خاص فى بيروت ثم إلى بيت مستأجر حتى عادت لها عافيتها ثم عادت إلى مصر.

ورحلت مى فى 17 أكتوبر عام 1941، عن عمر يناهز 55 عام فى مستشفى المعادى بالقاهرة، وحيدة لم يكن بجانبها أحد، حتى فى جنازتها لم يمش وراءها رغم شهرتها ومعارفها وأصدقائها الذين هم بغير حصر، سوى ثلاثة من الأوفياء: أحمد لطفى السيد، خليل مطران، وأنطوان الجميل.